خدمة العلم… حين يكتمل الانتماء بالفعل

المصدر : https://okathjordan.com/?p=154383
عكاظ الاخبارية
بقلم: عبد اللطيف الجمل
في كل مرحلة من مراحل تاريخ الأردن، كان السؤال واحداً: من يحمي هذا الوطن؟ والجواب أيضاً كان دائماً واحداً: أبناؤه.
خدمة العلم ليست إجراءً إدارياً ولا برنامجاً عابراً، بل هي لحظة يكتمل فيها الانتماء بالفعل، لحظة يضع فيها الشاب قدمه في الطريق الذي سار فيه الأجداد منذ أيام الفروسية الأولى حتى بناء الدولة الحديثة.
منذ بدايات إمارة شرق الأردن عام 1921، حين تأسس الجيش العربي، كانت الجندية مدرسةً تصنع الرجال، وتزرع فيهم معنى الشرف والمسؤولية والانضباط. واليوم، تعود خدمة العلم بروح جديدة، تجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر، بين قوة السلاح ومرونة المعرفة، وبين الانضباط العسكري والمهارات العملية.
إن خدمة العلم ليست مجرد تدريب، بل اختبار للذات، فرصة يواجه فيها الشاب نفسه أولاً قبل أن يواجه الحياة. هناك يتعلم أن الوطن لا يُخدم بالكلام ولا بالشعارات، بل بالانضباط والعمل والالتزام والإيمان بأن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. هي مرحلة تُعيد ترتيب البوصلة: بوصلة الولاء، وبوصلة الرجولة، وبوصلة المسؤولية.
خدمة العلم أيضاً مساحة لالتقاء أبناء الأردن من كل المحافظات والخلفيات، ليقفوا تحت راية واحدة، في صف واحد، ويهتفوا باسم وطن واحد. إنها اللحظة التي يتساوى فيها الجميع، ويذوب فيها كل ما هو فرعي أمام ما هو وطني.
ولعل أهم ما تقدمه الخدمة اليوم هو إعادة زرع الروح التي طالما تميّز بها الأردنيون: روح الانضباط، وروح الانتماء الصادق، وروح الاستعداد الدائم للدفاع عن الأردن، أرضاً وهويةً وكرامة. لقد أثبتت التجربة أن الدول لا تبنى بقرارات وحسب، بل تبنى برجال يعرفون معنى الواجب. وخدمة العلم هي الطريق الذي يصنع هذا النموذج من الرجال، رجال لا ينتظرون الظروف كي يصنعوا الفرق، بل يصنعونه من خلال إرادتهم والتزامهم.
إن خدمة العلم، بروحها الجديدة، ليست عبئاً على الشاب، بل امتيازاً يمنحه الوطن لمن يريد أن يكون جزءاً من مسيرته. امتيازاً يفتح العيون على معنى الوطن، ويصقل الشخصية، ويمنح المهارات، ويرفع مستوى الوعي والانضباط. وفي زمن تتسارع فيه التحديات، تبقى خدمة العلم صمام أمان يحفظ المجتمع ويعزز الوحدة ويعيد بناء الجسور بين المواطن والدولة وبين الشباب ومسؤولياتهم. وهكذا، تظل خدمة العلم في الأردن أكثر من مجرد برنامج… إنها رسالة، والمشاركة فيها ليست مجرد التزام… إنها شرف.
أيها الشباب الأردني، أنتم الامتداد الطبيعي لمن حملوا السيف دفاعاً عن هذه الأرض، وأنتم الجيل الذي سيحمل المعرفة والوعي والإرادة لبناء مستقبلها. خدمة العلم ليست اختباراً لقوتكم بل فرصة لاكتشافها، وليست عبئاً بل نافذة على قدراتكم الحقيقية. خذوا هذه المرحلة بجدية واسعوا فيها بصدور مفتوحة وعقول مستعدة لتعلّم كل جديد. اجعلوها محطة لإعادة تشكيل الذات واكتساب الانضباط وصناعة شخصية واثقة تعرف قيمتها وتدرك دورها. تذكّروا أن الوطن لا ينتظر منكم الأعذار بل ينتظر منكم الفعل، وأن خدمة العلم ليست خدمة للوطن وحده بل خدمة لأنفسكم أيضاً، لأنها تصنع فيكم رجالاً قادرين على مواجهة الحياة بصلابة وكرامة وثقة لا تهتز.



