umniah

تأثير الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان

جمال15 أكتوبر 2025
تأثير الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان
رابط مختصر

تأثير الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان

عكاظ الاخبارية

محمد نور الدباس

يشهد العالم المعاصر تطوراً متسارعاً في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي أصبح جزءاً أساسيًا من حياة الإنسان اليومية، فقد تجاوز دوره مجرد تسهيل المهام التقنية ليؤثر في مجالات حيوية مثل الصحة، والتعليم، والاقتصاد، والأمن، والإعلام، وعلى الرغم من الفوائد العظيمة التي يقدمها، إلا أن الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة، تتعلق بمدى توافقه مع مبادئ حقوق الإنسان كما نصت عليها المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948.

فقد أصبح الذكاء الاصطناعي في أيامنا هذه أحد أكثر التطورات التكنولوجية تأثيراً على المجتمعات، كما أن له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على حقوق الإنسان سواء من حيث حمايتها وتعزيزها أو تهديدها. وإذا أردنا أن نجيب على التساؤل الذي قد يثار، كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في حقوق الإنسان، وما السبل الكفيلة بضمان احترام هذه الحقوق في ظل التطور التكنولوجي المتسارع؟

 فنتعرض أولاً للآثار الإيجابية للذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان، حيث يُسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز عدد من الحقوق الأساسية، من أبرزها: الحق في الحياة والأمن، حيث
تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الطب الوقائي، وتحليل المخاطر البيئية، والتنبؤ بالكوارث الطبيعية، مما يسهم في حماية الأرواح وتحقيق الأمن الإنساني، وكذلك الحق في الصحة: في الوقت الذي تعتمد المستشفيات الحديثة على أنظمة ذكاء اصطناعي للتشخيص المبكر للأمراض واختيار العلاجات المناسبة، مما يحسّن جودة الخدمات الصحية ويقلل الأخطاء الطبية، أما الحق في التعليم، فتساعد المنصات الذكية على تقديم تعليم مخصص وفق قدرات كل طالب، وتوسيع فرص التعلم الرقمي للجميع، مما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص، وبالنسبة للحق في الوصول إلى المعلومات،
فتسهم خوارزميات البحث والترجمة والتحليل في تمكين الأفراد من الوصول إلى المعلومات بسرعة ودقة، مما يعزز حرية التعبير والمعرفة.

أما الآثار السلبية للذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان، على الرغم من الفوائد المتعددة، إلا أن للذكاء الاصطناعي مخاطر واضحة على حقوق الإنسان، من أهمها: انتهاك الخصوصية:
حيث تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على جمع وتحليل كميات ضخمة من البيانات الشخصية، ما قد يؤدي إلى مراقبة الأفراد دون علمهم أو موافقتهم، وهو ما يشكل انتهاكًا صريحًا للحق في الخصوصية، والحق في عدم التمييز وعدم المساواة، فإذا تم تدريب الخوارزميات على بيانات غير متوازنة، فقد تؤدي إلى نتائج منحازة ضد فئات معينة من المجتمع، مثل النساء أو الأقليات، مما يهدد مبدأ العدالة والمساواة.، أما الحق في العمل، فإن الأتمتة والروبوتات الذكية تؤدي إلى فقدان العديد من الوظائف التقليدية، مما قد يخلق فجوة اقتصادية واجتماعية جديدة ويزيد من معدلات البطالة في مختلف البلدان، وكذلك هو الحال في الحق في حرية الرأي والتعبير، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة المحتوى الرقمي أو فرض الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى تقييد حرية التعبير وتكميم الأصوات المعارضة، وفي مجال المساءلة القانونية، فقد يثير الذكاء الاصطناعي تحديًا في تحديد المسؤولية القانونية عند وقوع ضرر ناتج عن القرارات والأفعال، مما قد يؤثر على حق الأفراد في العدالة والإنصاف.

ويمكن إبراز التأثيرات في مجموعات حقوق وجوانب عدة منها مجموعة الحقوق المدنية والسياسية، والتي يتفرع منها الحق في الخصوصية، فتقنيات المراقبة بالذكاء الاصطناعي (مثل التعرف على الوجه وتتبع البيانات) قد تؤدي إلى انتهاك الخصوصية للأفراد إذا استُخدمت دون ضوابط قانونية واضحة، كما أن حرية التعبير من الحقوق التي من الممكن أن يتم انتهاكها، فخوارزميات المنصات قد تُقيد حرية التعبير عبر الرقابة التلقائية على المحتوى أو تضخيم خطاب الكراهية، بالإضافة إلى الحق في العدالة، فأنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم أو الشرطة قد تسهم في تسريع الإجراءات، لكنها تحمل خطر التحيز الخوارزمي الذي يؤدي إلى أحكام أو قرارات غير عادلة.

وفي الإطار ذاته، في عملية تحديد الآثار الإيجابية والآثار السلبية للذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان، فيمكننا النظر إلى مجموعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التي ينضوي تحتها الحق في العمل، حيث أن الأتمتة قد تُهدد وظائف تقليدية، مما يخلق تحديات في الحق في العمل والعيش الكريم، لكن بالمقابل تفتح فرصاً في وظائف جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا، والحق في التعليم، فالذكاء الاصطناعي يوفر أدوات تعليمية ذكية، وشخصية، ويسهل الوصول للمعرفة، ما يدعم الحق في التعليم، والحق في الصحة، فالذكاء الاصطناعي يسهم في التشخيص المبكر، تطوير الأدوية، وتحسين الخدمات الصحية، لكن هناك مخاطر متعلقة بسرية البيانات الطبية.

وكذلك هو الحال في مجموعة الحقوق الثقافية والحق في التنمية والتي تشمل عدد من الحقوق مثل الحق في الوصول إلى المعرفة والثقافة، فيسهل نشر المعرفة والترجمة الفورية والتواصل بين الثقافات، والحق في التنمية المستدامة، فالذكاء الاصطناعي يعزز الكفاءة في الطاقة والموارد، مما يدعم الحق في بيئة صحية وتنمية مستدامة.

ولتحقيق التوفيق بين الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان، وتحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي وصون الكرامة الإنسانية، يجب اتخاذ جملة من التدابير، نبرزها في النقاط التالية: ففي المرحلة الأولى يجب علينا سن تشريعات وطنية ودولية تنظم تطوير واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق مبادئ الشفافية والمساءلة، أو بالأحرى الانضمام إلى اتفاقيات دولية تلزم الدول أن تضمّن بنود هذه الاتفاقيات في تشريعاتها الداخلية، وفي مرحلة لاحقة وضع أطر أخلاقية تضمن احترام الخصوصية وعدم التمييز، ومن ثم مرحلة تعزيز التعليم والتوعية الرقمية لتمكين الأفراد من فهم حقوقهم في بيئة رقمية متغيرة، ومن ثم أن يكون الإشراف البشريّ إلزامي على القرارات الحساسة التي تمس حياة الأفراد أو حرياتهم، وآخر هذه التدابير التعاون الدولي بين الحكومات والمنظمات لتبادل الخبرات ووضع معايير مشتركة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة.

ومن خلال هذا الاستعراض السريع نجد أن الذكاء الاصطناعي يحمل في طياته إمكانات هائلة لتحسين حياة الإنسان، إلا أن له مخاطر على الحقوق والحريات لا يمكن تجاهلها. لذلك فإن التحدي الأكبر لا يكمن في وقف التطور التكنولوجي، لا بل يكمن في توجيهه لخدمة الإنسان وحماية كرامته،
كما يجب على الدول والمؤسسات العمل وفق مبدأ “الذكاء الاصطناعي الأخلاقي”، لضمان أن تبقى التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان، لا وسيلة للهيمنة عليه أو انتهاك حقوقه.

8451a8a1 38b4 45a5 882f 972528182d1c - وكالة عكاظ الاخبارية