جهاد البطاينة: من بلفور إلى بلير: هل يتكرر التاريخ على حساب المقاومة؟

رابط مختصر
المصدر : https://okathjordan.com/?p=150428
عكاظ الاخبارية
جهاد البطاينة
هل يعقل أن تتحول بريطانيا بين ليلة وضحاها من دولة وعدت الصهاينة بفلسطين إلى “منقذ” يعترف بدولة فلسطين، فكيف لمن زرع بذور النكبة بوعد بلفور أن يطل علينا اليوم بوجه الملاك الرحيم،أليس هذا تناقضا يفضح ما وراء الأكمة؟
ما جرى ليس سوى مسرحية سياسية جديدة اعتراف لندن بدولة فلسطين يبدو ظاهريًا كأنه خطوة تاريخية كبرى، لكنه في الحقيقة قد يكون تمهيدًا لوعد بلفور آخر، أُعيدت صياغته بعبارات ناعمة وديباجات إنسانية مختلفة.
بريطانيا تريد أن تلبس ثوب “المُنصف” بعد قرن من الخطيئة، لكنها تفعل ذلك في لحظة دم ودمار، حيث تُطرح حلول ظاهرها الرحمة وباطنها تصفية المقاومة فوعد بلفور الذي ربط اسم بريطانيا في الذاكرة الفلسطينية والعربية بتسليم الأرض للصهاينة وتمهيد الطريق لإقامة الكيان الإسرائيلي واليوم، بعد أكثر من قرن تأتي لندن لتقول: نحن نعترف بدولة فلسطين.
البعض يرى الخطوة من منظور محاولة متأخرة لغسل اليدين من الماضي لكن آخرين اعتبروها بداية مكيدة أكثر خطورة لربما قد تكون الغاية ليست الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، بل استخدام هذا الاعتراف كأداة للضغط من أجل فرض ترتيبات دولية جديدة على حساب المقاومة.
وسرعان توالي الاخبار علينا ظهر نجم توني بلير مجددا رئيس الوزراء البريطاني الأسبق الذي عُرف بدوره في ملفات الشرق الأوسط وبعلاقاته المتشعبة مع واشنطن وتل أبيب والعواصم العربية،عن عودته كمشرف على إدارة انتقالية في غزة بعد الحرب لا يمكن اعتباره تفصيلًا عابرا وشيء طبيعيا.
بلير شخصية مثيرة للجدل ارتبطت في ذهن الكثيرين بمشاريع سياسية غربية جرى تمريرها في المنطقة تحت شعارات السلام أو إعادة الإعمار بينما كانت حقيقتها تثبيت موازين قوى جديدة تخدم إسرائيل.
الخطة التي يجري تجهيزها اليوم تحمل عنوانًا إنسانيًا بالظاهر ” وقف حمام الدماء في غزة وإنقاذ المدنيين”،لكن خلف هذه الانسانية، يبدو أن الهدف العملي هو إرغام المقاومة على تسليم السلاح وهنا يكمن خطورة دور لندن الجديد، لأن نزع السلاح لا يعني إنهاء الحرب فقط بل يعني أيضًا تفريغ القضية من وسيلتها الوحيدة للضغط والتفاوض.
الأخطر أن الخطة لا تتعلق بغزة وحدها،إنها مشروع إقليمي كبير يُطبخ على نار هادئة، تشارك فيه عواصم غربية وعربية ترى في تصفية المقاومة طريقا للراحة والاندماج مع إسرائيل،لكن هذه الحسابات قصيرة النظر، لأنها ستفجّر الشارع العربي وتزيد من الغضب الشعبي ضد أي نظام يشارك في هذه اللعبة الشعوب لم تعد تُخدع بالشعارات وهي تعرف أن أي مشروع يُفرض من الخارج دون إرادة فلسطينية حقيقية ليس سوى غطاء لاستعمار جديد.
اليوم الرهان على الوعي الشعبي الفلسطيني والعربي المقاومة لم تولد من فراغ، بل من خيانة الوعود وتكرار الخذلان،لذلك فإن أي محاولة لتكرار السيناريو نفسه ستُقابل برفض واسع،فالشعوب تعرف أن بريطانيا لا تعترف بفلسطين حبًا بالعدالة، وأن عودة بلير ليست صدفة، بل جزء من طبخة دولية لترويض القضية.
المشهد اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: إما أن يتحول الاعتراف البريطاني إلى ورقة قوة تُستغل لتعزيز الموقف الفلسطيني دوليًا مع بقاء المقاومة في قلب المعادلة، أو أن يُستغل كمدخل لتجريد الفلسطينيين من سلاحهم وتركهم تحت رحمة الاحتلال.
السؤال الجوهري:هل سيتكرر وعد بلفور ولكن بلغة أكثر نعومة،أم أن الفلسطينيين هذه المرة سيقطعون الطريق على المسرحيات الدولية،الجواب لن تحدده لندن، بل ستحدده المقاومة وإرادة الشعوب والتاريخ لا يرحم من يُلدغ من الجحر مرتين.
كاتب اردني مختص بالشؤون العربية الفلسطينية



