الدكتور. اسماعيل المدلل.. يكتب مابين القدس وعمان

المصدر : https://okathjordan.com/?p=48599
عكاظ الاخبارية :
الدكتور. اسماعيل المدلل..
اليوم الاثنين الموافق 5/6/67..
بدأت الحرب التي سميت لاحقا بنكسة حزيران/يونيو.
قبلها بأيام كان الجندي “محمد كريم الطراونه” ، وتحديدا يوم الجمعة الموافق 2/6 في بيت العائلة البسيط المزدحم بالاهل والأقارب.. المعزومين على منسف كركي أصيل في قرية الحسينية التابعة للكرك.. ولهذا المنسف قصة سارويها كما أخبرتني بها حفيدة الشهيد. ( رزق محمد كريم بمولودة أنثى هي السادسة مما سبب عدم رضا من قبل الام التي كانت ترغب بمولود ذكر مع اخية الوحيد. فما كان من الاب الشهيد إلا أن يذبح طليا ويقطعة ويجهز المنسف ويعزم الاهل والجيران. وقال لزوجته بالحرف الواحد : “يا ريتهم عشر بنات مو خمسة”. وطيب خاطرها وأظهر فرحه بالمولود الجديدة.. لبس زيه العسكري وودع الاهل والبنات وربما همس في اذن زوجته نوفه. ديري بالكي ع البنات..”وغادر مسرعا الي الضفة الغربية وتحديدا الي القدس الشريف للالتحاق بكتيبتة واظنها “الحسين الثانية” او ام الشهداء كما اشتهرت لاحقا.. بهذا الاسم الذي اطلقة عليها المغفور له بإذن الله الملك الحسين. وبالمناسبة لقد استشهد من هذه السرية 97 فرد من أصل 101.. بعد أن اوعقعوا بالعدو خسائر جسيمة حسب مصادرهم.
كان الاهل والإعمام والاخوات والخالات حاضرين لوداع محمد كعادة أهلنا البسطاء… وكانت رائحة المنسف بالسمن واللحم البلدي تملأ البيت مختلطة برائحة القهوة السادة..
كان محمد علي عجلة من إمرة .. عاى عكس الإجازات الماضية التي كان يتمنى ان تطول لينعم بدفء الجو الأسرى الصادق..
وودع الجميع وأطال عناق أمة واخواتة وانطلق غربا. الي القدس التي احبها منذ نعومة أظافره.. والتي شرب عشقها مع حليب امه طفلا..وظل وفيا لهذا العشق حتى لحظاته الأخيرة.
بعد أيام.. وتحديدا صباح الاثنين الخامس من حزيران بدأ العدوان الغاشم… وتدمير الطيران المصري وفقدان السيطرة الجوية.. التي منحت العدو الصهيوني التفوق رغم شجاعة الرجال الذين قاتلوا كالاسود الضارية.. على كل الجبهات..
في اليوم الأول.. تمكن محمد وزملائه الابطال من التقدم ميدانيا رغم عدم وجود الغطاء الجوي. وفي اليوم الثاني ايقن الرجال انهم لوحدهم وليس معهم الا إيمانهم بالله وبقدسبة القضية التي يقاتلون من أجلها..
وفي تلك الأيام قاتل الرجال بعد أن تعاهدوا على الموت والشهادة بقولهم وراء قادتهَم :”المنية ولا الدنية”… صاروا أسودا وقاتلوا بأيديهم والسلاح الأبيض دفاعا عن كل شبر من ثرى القدس الطهور… ولاقوا ربهم مقبلين غير مدبرين… وكان ذلك في “تل الذخيرة”..والذي يسميه العدو “جبعات هتخموشت” التي شهدت قتالا ضاريا في كل شبر أمام اهم ألوية الجيش الصهيوني اللواء 55 مظلات بقيادة العقيد “مردخاي غور” الذي صار فيما بعد رئيسا لاركان جيشهم وكان مدججا بأحدث الأسلحة والمعدات.. لكن أفراد كتيبة ام الشهداء كانوا كما قال الحق ” رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه..”
وامس وأثناء أعمال الحفريات في الموقع عثر الأعداء على جثمان ” محمد كريم الطراونه”. ومعه سلاحة وبقايا ذخيرة وساعة يد وخنجر ظل معه كي يقاتل بة ودفن معه كي يظل جاهزا كما تخيل في لحظاته الاخيرة وقبل ان يلقي ربه بعد أن ظل نائما في رحم الأرض التي احبها اكثر من خمسين عاما..وكانت ساعتة قد توقفت عند ال 1:20 بعد الظهر.
لماذا ايقظتم محمد من نومة معانقا محبوبته التي عشقها حتى الموت؟؟ لما لم تتركوه نائما وممنيا النفس بالنصر الذي سلب من بين ايديهم؟ اظنه نظر الي ساعته كثيرا حالما بنجدة لم تصل إليهم
لا بأس يا َمحمد… انت واخوانك عطرتم الأرض بدمائكم الزكية مهرا لعروس تستحقه.. ولا شك أن جزائكم عند الله كبير… ألم يقل الحق : “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.” ؟؟
وحتى عندما ينقلون رفاتك الي الكرك حيث ولدت… ستكون قريبا من القدس ومن كل فلسطين …فالكرك يمر عليها النسيم المعطر بدماء الشهداء والقادم من القدس وما حولها . وخنجرك العربي الأصيل الذي كان بجانبك سيقظ مضاجع المتخاذلين رغم الصدأ الذي علاه.. مع الايام..
لقد كتبتم بدمائكم سطورا لا تمحى عن وحدة الدم والمصير بين رئتي الاردن شرقا وغربا. فلا نامت أعين الجبناء..
انت واخوانك الشهداء. لكم الشمس. لكم القدس والمجد وساحات فلسطين…. حتى بعد نصف قرن على ارتقائك وجهت صفعة الي كل المتخاذلين والمطبعين.. وقلت لهم بأن هذة الأرض التي تمتد من البحر الي النهر لنا ولا مكان فيها للغرباء….
هنيئاً لكم معشر الشهداء.. اشرف من في الدنيا وانبل بني البشر .



