من قبة التشريع إلى عمق الاقتصاد: الدينار الأردني وثالث العالم في سلامة النقد

رابط مختصر
المصدر : https://okathjordan.com/?p=175980
عكاظ الاخبارية
كتب العين السابق المهندس عبد الحكيم محمود الهندي
حين يرقب المرء تحولات المشهد الاقتصادي الإقليمي والدولي من موقع المسؤولية والخبرة، يُدرك يقيناً أن حماية الأوطان لا تقتصر على حدودها الجغرافية فحسب، بل تبدأ من صلابة جبهتها النقدية واستقرار عملتها الوطنية. وسط إقليم عصفت به الأزمات وتهاوت فيه عملات وتبخرت معه مدخرات، استطاع الأردن أن يقدم نموذجاً استثنائياً في الصمود، تجلى باحتلال المملكة المرتبة الثالثة عالمياً في معيار “سلامة النقد” وفق تقرير معهد “فريزر” الدولي، خلف سويسرا وفنلندا مباشرة.
ومن موقع المتابع لشؤون الدولة وتحدياتها، أرى أن تتويج الأردن في هذه المرتبة الرفيعة ليس حدثاً إحصائياً عابراً، بل هو ثمرة استراتيجية سيادية حكيمة انتهجها البنك المركزي الأردني منذ قرار تثبيت سعر الصرف في منتصف التسعينيات عند 1.41 دولار للدينار لقد برهنت التجربة أن هذا التثبيت لم يكن مجرد خيار تقني للمصرفيين، بل كان قرار أمن وطني وفّر شبكة أمان اجتماعي حمت رواتب الموظفين ومدخرات الطبقة الوسطى من وحش التضخم المستورد
وبرأيي الشخصي الراسخ، فإن عظمة هذا الإنجاز تكمن في تحقيقه وسط ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، مما يعكس كفاءة مؤسسية فائقة وحصافة قلّ نظيرها في إدارة الاحتياطيات الأجنبية والتحكم في السيولة. لقد نجحت المملكة في بناء مصدات مالية جعلت الدينار ملاذاً استثمارياً آمناً ومحل ثقة مطلقة للمواطن والمستثمر الخارجي على حد سواء.
إنني أرى بوضوح أن الاستقرار النقدي هو القاعدة الصلبة التي تقوم عليها كل خطط التحديث والتنمية؛ فبدون عملة محصنة وقطاع مصرفي منيع، لا يمكن الحديث عن تحفيز نمو أو جذب استثمار أجنبي طويل الأجل. التحدي اليوم، والمسؤولية المشتركة التي تقع على عاتقنا جميعاً، هي تحويل هذه “السلامة النقدية” المعتمدة دولياً إلى قوة دافعة في شرايين الاقتصاد الحقيقي والإنتاجي، لترجمة هذا الإنجاز إلى مزيد من فرص العمل واستدامة المنعة الوطنية في مواجهة أي متغيرات قادمة.


