مشروع أردني يطمح لحماية العالم الرقمي في عصر الحوسبة الكمية… هل يجد الشريك الذي يحوله إلى واقع؟

المصدر : https://okathjordan.com/?p=173579
مشروع أردني يطمح لحماية العالم الرقمي في عصر الحوسبة الكمية… هل يجد الشريك الذي يحوله إلى واقع؟
عكاظ الاخبارية
بقلم: عبدالحكيم حفّار – عضو الهيئة الإدارية لجمعية الكتّاب الإلكترونيين الأردنيين
في وقت يتسارع فيه السباق العالمي نحو الحوسبة الكمية، وما يرافقها من تحديات غير مسبوقة في مجال الأمن السيبراني، يعمل المخترع الأردني عمر أحمد الشيشان على تطوير مشروع تقني يهدف إلى تعزيز أمن الأنظمة الرقمية في مواجهة المخاطر المستقبلية. ويعد الشيشان من المهتمين بمجال الابتكار، وقد شغل سابقاً منصب أمين سر الجمعية الأردنية للمخترعين، وأسهم في دعم ثقافة الابتكار والاختراع في المملكة.
ومع تسارع التطورات التقنية وظهور تحديات جديدة في مجال الأمن السيبراني، اتجه الشيشان إلى العمل على مشروع متخصص في التشفير المقاوم للحوسبة الكمية (Post-Quantum Cryptography – PQC)، يهدف إلى تطوير منظومة متقدمة لحماية الأنظمة الرقمية في مواجهة التهديدات المرتبطة بالحوسبة الكمية (Quantum Computing). ويأتي هذا المشروع امتداداً لاهتمام مبكر بهذا المجال، إذ كان الشيشان أول من أطلق تحذيرات في الأردن من المخاطر التي قد تفرضها الحواسيب الكمية على أنظمة التشفير التقليدية، وذلك قبل أن تتنبه أي جهة حكومية لهذا الملف. وقد اكتسبت هذه التحذيرات أهمية متزايدة بعد إعلان المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتقنية (NIST) في أغسطس/آب 2024 إصدار أول معايير عالمية للتشفير المقاوم للحوسبة الكمية، وهو ما اعتبره كثير من المختصين إقراراً بأن التهديد الذي تمثله الحواسيب الكمية لأنظمة التشفير الحالية أصبح واقعاً يتطلب استعداداً مبكراً والتحول التدريجي إلى معايير تشفير جديدة لحماية البنية التحتية الرقمية والقطاعات الحيوية.
ويشير مطور المشروع إلى أن الخطر لا يقتصر على كسر خوارزميات التشفير التقليدية، بل يمتد إلى آلية نقل مفاتيح التشفير نفسها عبر الشبكات، وهي نقطة يرى أنها ما زالت تمثل فجوة تقنية لم تُعالج بصورة كاملة في الحلول المتوافرة حالياً، سواء في معايير PQC الحديثة أو في أنظمة توزيع المفاتيح الكمية (QKD) أو حتى الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، إذ تركز هذه التقنيات على حماية البيانات أو القنوات، بينما تبقى آلية نقل المفتاح بحاجة إلى حلول أكثر تطوراً.
ويؤكد الشيشان أن مشروعه يعتمد على مفاهيم رياضية متقدمة ونظريات في الأمن السيبراني، ويهدف إلى توفير طبقة حماية إضافية لمفاتيح التشفير دون الحاجة إلى بنية تحتية كمومية باهظة التكلفة، مع إمكانية تشغيله على الشبكات الحالية. ووفقاً له، فقد خضع النموذج الأولي لمحاكاة واختبارات تقنية واسعة أظهرت نتائج مشجعة، إلا أن المشروع ما يزال بحاجة إلى استكمال مراحل البحث والتطوير والتحقق المستقل قبل طرحه كمنتج تجاري.
ويعلق الشيشان بأن التحديات المستقبلية لا تقتصر على تطور الحوسبة الكمية وحدها، بل تمتد أيضاً إلى الطفرة غير المسبوقة في قدرات الذكاء الاصطناعي، الذي يشهد تطوراً متسارعاً بوتيرة غير مسبوقة. ويطرح تساؤلاً يصفه بأنه من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تشغل الباحثين وصناع القرار: ماذا لو اجتمعت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع إمكانات الحوسبة الكمية في المستقبل القريب؟ ويرى أن هذا السيناريو، إن تحقق، قد يُحدث تحولاً جذرياً في موازين التقنية العالمية، الأمر الذي يستوجب الاستعداد المبكر ووضع أطر علمية وأخلاقية وتنظيمية للتعامل معه، لأن العالم قد يواجه تحديات يصعب التنبؤ بطبيعتها وتأثيرها إذا تجاوزت الأنظمة الذكية حدود السيطرة البشرية.
وتبرز أهمية هذا المشروع في ظل الأرقام العالمية التي تعكس حجم التحدي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن التحويلات المالية العالمية التي تعتمد على التشفير تبلغ نحو 3.5 تريليون دولار يومياً، فيما يُتوقع أن يصل حجم سوق الأمن السيبراني لما بعد الحوسبة الكمية إلى نحو 9.8 مليار دولار بحلول عام 2030. كما يرى القائمون على المشروع أن المنطقة العربية ما تزال تفتقر إلى منتجات محلية متخصصة تعالج هذه الفجوة التقنية.
ويؤكد الشيشان أن تحويل هذه الفكرة إلى منتج متكامل يحتاج إلى شريك استراتيجي واستثمار يتيح استكمال التطوير، وإجراء الاختبارات الفنية، والحصول على الاعتمادات اللازمة، تمهيداً لطرح الحل في الأسواق.
وقد عُرض المشروع على عدد من رجال الأعمال والمتخصصين في الأمن السيبراني والمحللين، الذين أبدوا اهتماماً بفكرته وإمكاناته. كما جرت لقاءات مع مسؤولين في عدد من البنوك الأردنية، حيث أبدوا اهتماماً مبدئياً بدراسة المنتج عند اكتمال تطويره واستيفائه المتطلبات الفنية والتنظيمية والحصول على الاعتمادات المطلوبة، بما في ذلك ما قد يصدر عن البنك المركزي الأردني من تعليمات أو معايير ذات صلة.
ويرى القائمون على المشروع أن الأردن يمتلك مقومات حقيقية ليكون مركزاً إقليمياً لهذا النوع من التقنيات، بفضل كفاءاته الهندسية والأكاديمية، ونمو قطاع تكنولوجيا المعلومات، الذي يشكل نسبة مهمة من الاقتصاد الوطني، إلى جانب ما يتيحه السوقان الأردني والإقليمي من فرص واعدة في مجال الأمن السيبراني.
ويختم الشيشان رسالته بالتأكيد على أن المشروع ليس مجرد فكرة تقنية، بل مبادرة وطنية تهدف إلى تقديم منتج أردني قادر على المنافسة عالمياً إذا ما توفرت له البيئة الاستثمارية المناسبة.
ويبقى السؤال مطروحاً:
هل يجد عمر أحمد الشيشان المستثمر أو الشريك الاستراتيجي الذي يؤمن بهذه الرؤية، ويسهم في تحويل هذا المشروع الوطني من فكرة واعدة إلى منتج أردني ينافس في أحد أكثر قطاعات التكنولوجيا أهمية في العالم؟
ولإبداء الآراء أو الاستفسار، يمكن التواصل عبر البريد الإلكتروني:
haffar@hotmail.com



