عندما تتحول هيبة رجل الأمن إلى مادة للترفيه والتنمّر على المواطنين

المصدر : https://okathjordan.com/?p=173481
عندما تتحول هيبة رجل الأمن إلى مادة للترفيه والتنمّر على المواطنين
لماذا يجب وقف الكاميرا الخفية التي تنتحل صفة رجال الأمن الأردني!!!؟؟
عكاظ الاخبارية
بقلم: المستشار محمد صالح الملكاوي
رسالة مفتوحة إلى معالي وزير الداخلية، وعطوفة مدير الأمن العام، والأجهزة الأمنية والعسكرية الأخرى
ليست هيبة رجل الأمن العام مُلكاً لفرد، ولا امتيازاً لمؤسسة، بل هي جزء من هيبة الدولة نفسها. فالشرطي عندما يرتدي زيّه الرسمي، أو عندما يعمل بصفته الشُرطية والأمنية في مهمة سرية (Undercover)، فإنه لا يُمثّل نفسه، وإنما يُمثّل سُلطة القانون، وهيبة الدولة، مثلما يُمثّل ثقة المواطن بالمؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية.
ومن هنا، فإني على قناعة بأن استخدام شخصية رجل الأمن العام في برامج الكاميرا الخفية أو المقالب التلفزيونية في الأردن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هي قضية تمس العلاقة الحسّاسة بين المواطن ورجل الأمن، وقد تترك آثاراً نفسية ومجتمعية تتجاوز دقائق البرنامج لتؤثر في الثقة العامة على المدى الطويل. وقد شاهدت العديد من مقالب الكاميرا الخفية الأردنية التي يتم فيها انتحال صفة رجل أمن، والتي فيها إساءة للأشخاص الذي جرى عمل المقالب فيهم، بمن فيهم رجال كبار السن ونساء، تم امتهان كرامتهم وإنسانيتهم باسم الكاميرا الخفي.
• إنها ليست برامج مُضحكة … بل هي إعادة تشكيل صورة رجل الأمن
يعتمد هذا النوع من برامج الكاميرا الخفية غالباً على استثارة الخوف أو الارتباك أو الإحراج أو التنمّر على الناس في الأردن، من خلال ظهور أشخاص يرتدون الزي الأمني أو ينتحلون صفة رجال الأمن، أو يؤدون دور رجال التحري والشرطة السرية (Undercover)، ثم يتم تضليل المواطن ودفعه إلى مواقف لم يكن ليتصرف فيها لو علم أنه أمام كاميرا خفية.
• وهنا يبرز السؤال:
ما الذي يخرج به المواطن بعد مشاهدة هذه المقالب؟
قد يضحك المُشاهد، لكنه يتعلم أيضاً من حيث لا يشعر بأن رجل الأمن قد يكون جزءاً من “مقلب”، وأن السلطة يمكن أن تُستعمل للترفيه والتنمّر على الناس، وأن الخوف من رجل الأمن قد يصبح مادة للسخرية. لهذا أرى بأن هذا أمر لا ينبغي أن تسمح به الدولة التي تحرص على ترسيخ الثقة بمؤسساتها الأمنية.
• الثقة الأمنية هي رأس مال وطني
وتشير الأدبيات الحديثة في علوم الشرطة والأمن إلى أن نجاح المؤسسات الأمنية لا يقوم على القوة وحدها، وإنما يقوم أيضاً على الثقة المجتمعية، وأن استعداد المواطنين للتعاون مع الشرطة ورجال الأمن والإبلاغ عن الجرائم والالتزام بالقانون يرتبط بدرجة كبيرة بثقتهم في نزاهة رجل الأمن ومهنيته.
وعندما تتحول شخصية رجل الأمن إلى أداة للمقالب أو التنمر تحت غطاء الترفيه، فإن ذلك قد يؤدي إلى:
1. إضعاف الصورة الذهنية لرجل الأمن.
2. تشويه مفهوم السلطة القانونية خاصة لدى الأطفال والشباب.
3. إيجاد ارتباك لدى المواطنين عند التعامل مع رجال الأمن الحقيقيين.
4. دفع بعض الأشخاص إلى التصرف بعفوية أو انفعال أمام رجل أمن مزيف، ثم تعميم هذه الصورة إعلامياً، لإضحاك المُشاهدين.
5. تقليل الإحساس بجدية المواقف الأمنية الحقيقية.
• ماذا يحدث عندما ينتحل شخص صفة رجل أمن؟
في كثير من دول العالم، يُعدُّ انتحال صفة رجل الشرطة جريمة، لأن السلطات تعتبر أن هذا السلوك يُقوِّض ثقة الجمهور بالمؤسسات الأمنية، فقد أكدت شرطة سنغافورة على سبيل المثال بأن انتحال صفة ضابط شرطة “يُقوِّض ثقة الجمهور وقد يُسبب الارتباك أو الذعر” بين الناس، ولذلك تتم ملاحقة مرتكبيه جنائياً.
كما شددت وزارة العدل الأمريكية أيضاً في أكثر من قضية على أن انتحال صفة رجال إنفاذ القانون يسيء إلى الثقة التي بنتها الأجهزة الأمنية مع المجتمع عبر سنوات طويلة.
وهذا برأيي يعكس مبدأً عالمياً واضحاً: الصفة الأمنية ليست مادة للترفيه أو التنمّر في برامج الكاميرا الخفية، عندما يكون الهدف إقناع الناس بأنهم أمام سلطة حقيقية.
• ماذا عن البرامج التلفزيونية؟
قد يقال بأن المشاركين يوقعون على موافقات بعد انتهاء التصوير في بعض الأحيان، لكن المشكلة ليست في الموافقة القانونية، وإنما في الرسالة المجتمعية التي تصل إلى ملايين المشاهدين. فالبرنامج لا يُصوِّر شخصاً واحداً فقط، بل يعيد تشكيل صورة رجل الأمن في وعي جمهور كامل أيضاً.
ومع احترامي للمهن والوظائف المُختلفة، فقد يكون من المقبول أحياناً استخدام شخصيات في مقلب كوميدي في الكاميرا الخفية، لكن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر بمؤسسات أمنية ترتبط مباشرة بهيبة الدولة وسيادة القانون.
• رجال الأمن ليسوا أدوات لإنتاج الخوف وزرع التنمّر
رجل الأمن في الأردن بحسب قناعاتي بنى عبر عقود طويلة علاقة احترام واطمئنان وسلام مع المواطنين، لهذا عندما يُستخدم اسمهِ أو زيّهِ أو صفتهِ في إخافة الناس أو إحراجهم أو استفزازهم أو التنمّر عليهم من أجل تحقيق نسب مشاهدة أعلى للفيديوهات، فإن ذلك قد يُحوِّل رجل الأمن ولو بصورة غير مباشرة من مصدر طمأنينة إلى مصدر خوف مؤقت.
وهذه ليست الرسالة التي تسعى إليها مديرية الأمن العام ولا وزارة الداخلية (على ما أجزم)، التي عملت خلال السنوات الطويلة على تعزيز مفهوم الشرطة المجتمعية، وترسيخ صورة رجل الأمن كشريك للمواطن في الأمن والاستقرار والسلام، وليس كوسيلة للترفيه في برامج الكاميرا الخفية.
• الأطفال أيضاً يشاهدون
الأثر هُنا لا يقتصر على البالغين، فالطفل الذي يُشاهد رجل أمنٍ يصرخ أو يُهدد أو يُوقع الناس في “مقلب” أو يتنمّر عليه، قد يختزن صورة مشوشة عن الشرطة في ذهنه، وربما يخشى اللجوء إليها عند الحاجة. وهذا يتعارض مع الجهود التربوية التي تبذلها الأجهزة الأمنية لتعزيز الثقة بينها وبين الأجيال الجديدة.
• فما المطلوب إذاً؟
أتطلّع إلى أن تنظر وزارة الداخلية ومديرية الأمن العام في إصدار قرارات واضحة:
1. منع استخدام الزي الرسمي للأجهزة الأمنية نهائياً، باستثناء الأطفال، الذين يعتزون بالأمن العام وهم يرتدون زيّ هذه المؤسسة الوطنية، أو في الأفلام والمُسلسلات التي أعرف أنها حريصة على قدسية اللباس الأمني والشرطي.
2. منع استخدام الشارات والرتب والعلامات الأمنية والأجهزة اللاسلكية حتى وإن كانت مُزيّفة.
3. منع استخدام المركبات التي تُحاكي مركبات الأمن العام.
4. منع انتحال شخصية رجال الأمن أو رجال التحري أو الشرطة السرية (Undercover) نهائياً.
5. منع أي سيناريو في برنامج ترفيهي يُوحي للمواطن بأنه يتعامل مع رجل أمن حقيقي كما يحصل في برامج الكاميرا الخفية.
6. التعميم على الجهات الرسمية بعدم منح تصاريح لبرامج ترفيهية تستخدم رجال الأمن العام في مقالب الكاميرا الخفية.
وأنا على قناعة بأن مقترحي هذا لا يهدف إلى تقييد الإبداع أو المُبادرات أو البرامج الترفيهية والكاميرا الخفية، وإنما أدعو إلى حماية رمز من رموز الدولة وهي المؤسسة الأمنية التي يمثلها رجل الأمن في الشارع، وأيضاً صون الثقة التي تُمثّل أساس العلاقة بين المواطن ومؤسسات إنفاذ القانون، ومن بينها المؤسسة الأمنية.
كما أنني أخشى أن يتطاول مُعدّو ومُنفذو برامج الكاميرا الخفية، ويتقمصوا شخصيات لمؤسسات أخرى لها علاقة بإنفاذ القانون، أو أن يُعطوا النصابين وخاصة المُحترفين منهم فُرصاً لاستخدام الكاميرا الخفية في عمليات نصب من خلال تقمّص شخصيات رجال أمن مزيفين.
كما أنني أخشى أن يتطاول مُعدّو ومُنفذو برامج الكاميرا الخفية والنصابين ويستخدموا شخصيات رجال عسكريين من القوات المُسلّحة الأردنية، أو شخصيات رجال أمن من مؤسسات أمنية أخرى، أو شخصيات أخرى مثل المُحامين في فيديوهات للكاميرا الخفية، لخطورة ذلك على المؤسسات الوطنية والنقابية وغيرها.
• كلمة أخيرة
إن هيبة رجل الأمن ليست زياً يُرتدى أمام الكاميرا، ولا دوراً تمثيلياً في برامج الكاميرا الخفية يُستعار لزيادة نسب المشاهدة، بل إن هيبة رجل الأمن هي رصيد وطني تراكم عبر عقود من التضحية والاحتراف والالتزام، وحين نحمي صورة رجل الأمن، فإننا لا ندافع عن مؤسسة فحسب، بل ندافع عن ثقة المواطن بالدولة، وعن سيادة القانون، وعن رسالة الأمن العام بوصفه مؤسسة وُجدت لحماية الناس، لا لتصبح جُزءاً من مقلب في برامج الكاميرا الخفية.
ولعل الوقت قد حان لفتح نقاش وطني جاد حول هذا النوع من البرامج الترفيهية التي تسيئ للمؤسسات الأمنية، وأهمية وضع ضوابط مهنية وأخلاقية تكفل احترام هيبة المؤسسات الأمنية والعسكرية والاستخبارية، وتحفظ للمواطن أيضاً حقه في ألا يُخدع أو يُستغل باسم سلطة الدولة وسلطة القانون، وباسم المؤسسات الأمنية، حتى ولو كان ذلك تحت عنوان، برامج “الكاميرا الخفية”.
وختاماً: الجندي ورجل الأمن هما عنوان ثقة الوطن والمواطن، وقد استطاعت القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي)، ومديرية الأمن العام، والأجهزة الأمنية وفي مقدمتها المخابرات العامة، عبر عقود من التضحية والاحتراف، أن ترسخ نموذجاً أردنياً يُحتذى في الأمن والاستقرار وسيادة القانون، حتى غدت محل ثقة الأردنيين واحترام العالم.
ومن هنا، فإن حماية صورة رجل الأمن والجندي من أي استغلال إعلامي أو تجاري أو ترفيهي يُسيء إلى مكانته، ليست مطلباً مهنياً فحسب، بل هي واجب وطني يُحافظ على هيبة الدولة، ويعزز منظومة الأمن والاستقرار الوطني، ويصون واحدة من أهم ركائز قوة الأردن واستقراره في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة.



