umniah

اليمن: الشهيد عبدالرقيب الشيبه.. اغتيال السنبلة في موسم الحصاد ،قصة جيلٍ ذبحه صيف 94 على أعتاب التخرج

جمال15 مايو 2026
اليمن: الشهيد عبدالرقيب الشيبه.. اغتيال السنبلة في موسم الحصاد ،قصة جيلٍ ذبحه صيف 94 على أعتاب التخرج
رابط مختصر

اليمن: الشهيد عبدالرقيب الشيبه.. اغتيال السنبلة في موسم الحصاد ،قصة جيلٍ ذبحه صيف 94 على أعتاب التخرج

عكاظ الاخبارية

اليمن : صالح البخيتي

في دهاليز التاريخ المظلمة، ثمة فصولٌ لا تُكتب بالحبر، بل تُنحت بالوجع على جدار الذاكرة الوطنية. وحين نتحدث عن حرب صيف 1994، فنحن لا نتحدث عن صراع جنرالات أو تدافع خرائط، بل نتحدث عن الخطيئة الكبرى التي وأدت حلم جيلٍ بأكمله.

إن قصة الشهيد عبدالرقيب زين أحمد ناصر الشيبه الطالبي هي التجسيد الحي لمأساة الإنسان اليمني حين يقع ضحيةً لتقاطعات السياسة العمياء؛ هي حكاية السنبلة التي نضجت لتطعم الجياع، فاختار الرصاص أن يحصدها قبل أوان القطاف. إنها قراءة في انكسار مشروع الدولة أمام منطق الغنيمة، وانحسار ضوء العلم أمام غبار المدافع، حيث تحول الطالب من مشاريع مهندس مستقبل إلى ضحية في سجلات الماضي الأليم.

في أكتوبر من عام 1973م، وعلى وقع ترانيم الجبال في منطقة أمسداره بمديرية سرار يافع بمحافظة أبين جنوب اليمن، وُلد عبدالرقيب الشيبه. نشأ في كنف بيئة ريفية محافظة، لم تكن تملك من ترف الحياة الكثير، لكنها كانت تفيض بكنوز الأخلاق والأنفة. في هذه الأرض التي لا تقبل إلا الشموخ، تربى عبدالرقيب على مبادئ الصدق، وبر الوالدين، وعزة النفس، فكان منذ نعومة أظفاره مرآةً لبيتٍ كريم، وشاباً يحمل في عينيه هدوء الواثقين، وفي قلبه طموحاً يعانق قمم يافع الشماء.

لم تكن الدراسة بالنسبة لعبدالرقيب مجرد عبورٍ زمني للحصول على شهادة، بل كانت رسالة وجود. حيث تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة أمسداره بتميزٍ لفت الأنظار، وحين حان وقت التخصص، اختار طريقاً يشبه انتماءه للأرض، فالتحق بالمعهد الزراعي بمحافظة لحج ، تخصص محاصيل زراعية. أربع سنوات قضاها بين الكتب والحقول التجريبية، باحثاً عن سر النماء، حاملاً حلماً أخضر بأن يعود إلى قريته مرشداً زراعياً، يرمم علاقة الإنسان بالتربة، وينقل مجتمعه من بساطة العيش إلى آفاق التنمية المستدامة.

وصل عبدالرقيب إلى المحطة الأخيرة من مشواره الجامعي في عام 1994م، وهو العام الذي شهد الزلزال السياسي الكبير في اليمن. ومع اشتعال فتيل الحرب وتصاعد لغة الدم، لم يستسلم عبدالرقيب لليأس؛ نزح مع زملائه وأساتذته من لحج إلى عدن مديرية المنصورة، مصراً على تقديم امتحانات التخرج تحت أزيز الطائرات ودوي الانفجارات. كان يرى في الشهادة الجامعية صك غفرانٍ للوطن من جهله، وفي القلم أداةً لمقاومة الفوضى، وظل متمسكاً بكتابه حتى وهو يسمع طبول الموت تقرع الأبواب.

في ليلة 17 يونيو 1994م، كان القدر يخبئ لعبدالرقيب امتحاناً لم يكن في الحسبان. سقط صاروخ غادر على منزلٍ آهلٍ بالسكان مجاور لسكن الطلاب، فتمزق السكون بصرخات النساء واستغاثات الأطفال. في تلك اللحظة، لم يسأل عبدالرقيب عن حسابات الربح والخسارة، ولم يختبئ في زوايا الغرف المظلمة؛ بل استيقظت فيه نخوة أبناء أمسداره وشهامة الفرسان، فاندفع مع رفيقه الشهيد نبيل العمُري وآخرين نحو الركام لانتشال الأجساد الطفولية ومداواة جراح المكلومين في ملحمة إنسانية تفوقت على غريزة البقاء.

وبينما كان عبدالرقيب ينحني ليرفع الركام عن ضحية، عاجله صاروخٌ ثانٍ استهدف نفس المكان، ليسقط المهندس الذي كان يحلم بالحياة شهيداً في سبيلها.

ارتقى عبدالرقيب وهو يمارس أسمى مهن الوجود: الإنقاذ. لم يمت غازياً ولا منتقماً، بل مات مسعفاً ومضحياً. رحل وترك شهادته الجامعية مخضبة بدمه، لتصبح تلك الدماء هي الشهادة الحقيقية على طهر روحه وبشاعة الحرب التي لم تميز بين ثكنة عسكرية وسكن طلابي.

رحل الشهيد عبدالرقيب الشيبه جسداً، لكنه بقي في وجدان أبين ويافع وكل الوطن سيرةً عطرة لا يمحوها التقادم. إن استحضار ذكراه اليوم ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو إدانة صارخة لكل الحروب التي تلتهم خيرة الشباب وتغتال الكوادر المدنية قبل أن تبدأ عطاءها.

سيظل اسم عبدالرقيب محفوراً في ذاكرة التربة التي أحبها، شاهداً على جيلٍ ذُبح على أعتاب تخرجه، ليبقى ذكره نبراساً يضيء لنا عظمة الإنسان حين يسمو فوق جراح السياسة.

204e3783 484f 46de b827 884382edea2c - وكالة عكاظ الاخبارية
635405f4 9ff3 4872 b2ad e9ae5d4ad03b - وكالة عكاظ الاخبارية