بين الرؤية والتنفيذ: قراءة في مقابلة دولة الدكتور جعفر حسّان

المصدر : https://okathjordan.com/?p=158132
عكاظ الاخبارية
11/1/2026
عبد اللطيف الجمل – جاء اللقاء المتلفز مع دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسّان في توقيت سياسي واقتصادي دقيق، ما جعله يتجاوز كونه حوارًا إعلاميًا تقليديًا إلى كونه عرضًا متكاملًا لأولويات الدولة، كما وردت في كتاب التكليف السامي، وامتدت لتشمل الملفات السياسية والاقتصادية والإقليمية في آن واحد.
بدا واضحًا أن المقاربة التي قدّمها دولة الرئيس تقوم على مبدأ الترتيب لا الاستعجال، والتحصين قبل الانطلاق. حديثه عن الإغلاق المالي والدخول في مرحلة الدراسة الشاملة لكافة المشاريع خلال الربع الأول من عام 2026، يعكس توجّهًا واعيًا نحو ضبط القرار العام، ووضع حدّ لنهج الوعود غير المستندة إلى جاهزية مالية أو فنية.
المشاريع الكبرى التي تناولها اللقاء، وعلى رأسها مشروع الناقل الوطني، السكة الحديد، الغاز، مدينة عمرة، والمشاريع الإنتاجية، لم تُطرح كعناوين إنشائية، بل كجزء من رؤية متكاملة لتعزيز الأمن الاقتصادي والسيادي، في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وتلميحات متكررة لاستخدام أدوات مثل الماء والطاقة كسلاح ضغط سياسي.
في الملف الفلسطيني، حافظ الخطاب على ثوابته المعهودة؛ دعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار في غزة، والانخراط الإيجابي مع المسارات الدولية، دون التخلي عن الموقف الأردني التاريخي تجاه الحقوق الفلسطينية، وبعيدًا عن المزايدات أو الخطابات الشعبوية التي لا تغيّر من الوقائع شيئًا.
أما على المستوى الداخلي، فإن ما يُلاحظ وجود حالة تشويش في الفضاء العام، ناتجة عن تضارب التصريحات، وتعدد القراءات، وتحوّل بعض القضايا الوطنية إلى مادة استهلاك إعلامي سريع، يفتقر أحيانًا إلى العمق والمسؤولية. هذا التشويش لا يمكن فصله عن طريقة تناول بعض وسائل الإعلام، وما ينعكس عنه من إرباك في الرأي العام، خصوصًا في مراحل التحول الحساسة.
دولة الرئيس لم يُشر إلى هذا الأمر صراحة، غير أن طبيعة المرحلة التي تحدّث عنها، وحجم الملفات المطروحة، يفرضان قدرًا أعلى من الانضباط في الخطاب العام، وتغليب المصلحة الوطنية على منطق التسجيل أو الاستثمار السياسي.
المرحلة المقبلة، كما يمكن استنتاجه، لن تكون سهلة. فمع بدء الانتقال من الدراسة إلى التنفيذ، ستظهر مقاومات من أطراف اعتادت على الفوضى أو الاستفادة من غياب القرار الحاسم. هنا، تصبح معادلة الصبر والحزم ضرورة لا خيارًا، لضمان استمرارية المسار دون تراجع أو إرباك.
في هذا السياق، يبرز دور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، التي تواصل أداء واجبها في حماية الحدود، وبناء الإنسان، وترسيخ الهوية الوطنية، بالتوازي مع عمق عربي يشكّل سندًا استراتيجيًا للأردن في مواجهة التحديات.
ويبقى الإعلام، ومعه النخب الثقافية والاجتماعية، أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون شريكًا في بناء الوعي وتعزيز الثقة، أو أن يتحول – دون قصد أو بقصد – إلى عامل إنهاك إضافي للمجتمع والدولة.
إن اللقاء مع دولة الدكتور جعفر حسّان يمكن قراءته بوصفه إعلان نية صريح للدخول في مرحلة تنفيذية محسوبة، تتطلب تماسكًا داخليًا، ووعيًا جمعيًا، ونخبًا ترى في الدولة مشروعًا يجب حمايته، لا ساحة صراع أو فرصة عابرة.
في لحظات كهذه، لا تحتاج الدولة إلى أصوات مرتفعة بقدر حاجتها إلى عقول هادئة، وخطاب مسؤول، وإرادة وطنية صلبة تدرك أن البناء الحقيقي لا يُقاس بسرعة الكلام، بل بثبات الفعل.



