الخصاونة والجرأة في قول المسكوت عنه.

المصدر : https://okathjordan.com/?p=153533
عكاظ الاخبارية
بقلم: الدكتور محمد جرار آل خطاب
لم يكن تصريح دولة بشر الخصاونة عن كون مدير المخابرات “أعلى من رئيس الوزراء” مجرد زلة لسان أو جملة عابرة، بل شرارة أطلقت نقاشاً سياسياً عميقاً طالما تجنّب كثيرون الخوض فيه.
بين من اعتبره إضعافاً لمقام الحكومة، ومن رآه قمة الصراحة والواقعية، انقسم الشارع كما تنقسم الحقيقة بين الورق والتطبيق.
الخصاونة لم يُجامل، ولم يختبئ خلف العبارات المنمّقة… قالها ببساطة: هذه هي الحقيقة كما هي، لا كما يحب البعض أن تُقال.
في الواقع، فإن ما قاله الخصاونة لا يحمل جديداً من حيث الجوهر، بقدر ما يحمل جرأة في التعبير، فمفهوم «الولاية العامة» الذي يمنحه الدستور لرئيس الوزراء هو نصٌّ سامٍ وواضح، لكن التطبيق العملي لهذا النص ظلّ، عبر العقود، محكوماً بتوازنات القوى داخل الدولة الأردنية، حيث تلعب الأجهزة الأمنية والمؤسسات السيادية وخاصة دائرة المخابرات العامة أدواراً جوهرية في صناعة القرار الوطني، أحياناً بما يتجاوز المساحة التنفيذية المتاحة للحكومة.
من هنا، فإن تصريح الخصاونة لم يكن هجوماً على الدولة أو خروجاً عن النص، بل إقراراً بواقعٍ سياسيٍّ قائم، قد يختلف حوله الناس بين مؤيد ومعارض، لكنه واقع لا يمكن إنكاره.
الجرأة في قول الحقيقة لا تعني الرضا عنها، كما أن الصراحة لا تعني التحدي، بل قد تكون خطوة أولى في توصيف المشكلة تمهيداً لإصلاحها.
فبدلاً من مهاجمة رئيس الوزراء على حديثه، كان الأجدر أن تُقرأ كلماته في سياقها الواقعي: رجل كان في موقع المسؤولية يتحدث بصراحة غير معهودة عن حدود سلطاته، في بلدٍ ما يزال يوازن بدقة بين سلطات الدولة ومؤسساتها العميقة.
إن الاعتراف بوجود الفجوة بين النص الدستوري والتطبيق الفعلي هو الشرط الأول لتقليصها، وليس العكس.
الخطورة ليست في أن نقرّ بوجود خللٍ في معادلة الولاية العامة، بل في أن نستمر في التظاهر بعدم وجوده.
أما الشجاعة السياسية، فهي في أن نتحدث بصوتٍ عالٍ عمّا يعرفه الجميع، ونبدأ حواراً وطنياً جاداً حول كيفية تمكين المؤسسات الدستورية من ممارسة صلاحياتها كاملة، دون أن يكون ذلك على حساب أمن الدولة أو استقرارها.
من هنا، يمكن القول إن الخصاونة لم يُخطئ حين قال الحقيقة، بل عبّر عن واقعٍ يعرفه الأردنيون جميعاً، ويتحدثون به في مجالسهم وأنديتهم، وإن كان في تصريحه ما يثير الجدل، فإن في صدق كلماته ما يستحق التقدير.
فالصراحة في السياسة ليست ضعفاً، بل فضيلة نادرة في زمن المجاملات.
شكرا دولة بشر الخصاونة فقد تحدثت بما عجز جميع من سبقك عن البوح به.



