ماذا بعد الحرب في قطاع غزّة

المصدر : https://okathjordan.com/?p=151844
عكاظ الاخبارية
محمد نور الدباس
إن الحديث عن مصير العدوان على قطاع غزّة من قبل كيان الاحتلال يتسم بعدم اليقين الشديد، لكن تحليلات متعددة تُشير إلى عدة سيناريوهات محتملة مع معالم واضحة للتحديات القائمة، ونبحث الموضوع من خلال استعراض المعطيات الراهنة، والتي تقول إن العدوان اندلع بشكل كبير بعد الهجوم 7 أكتوبر 2023 الذي قامت به حركة حماس على الأراضي المحتلة، مما فجّر ردّاً عسكرياً واسع النطاق في قطاع غزّة من قبل جيش الاحتلال، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فجانب كبير من تحليل الخبراء يشير إلى أن الهدفين الأساسيين لإسرائيل كان تدمير قدرات حركة حماس العسكريّة، وإعادة الرهائن، إضافة إلى تقويض حكمها في غزة، بالإضافة إلى الأهداف الأخرى غير المعلنة، ومن ناحية أخرى فحتى الآن، يبدو أنّ حركة حماس ما زالت قائمة، وقد عانت خسائر كبيرة لكن لم يُقضَ عليها نهائياً، كما أن هناك وقف إطلاق نار هشّ أو تهدئة نسبية دخلت حيّز التنفيذ، لكنها غير ثابتة، والمخاطر لعودة العنف قائمة، ومن ناحية أخيرة فالأوضاع الإنسانية والاقتصادية في غزّة مدمّرة بدرجة كبيرة، مما يزيد من الضغوط على أي حلّ طويل الأمد.
وإذا استعرضنا السيناريوهات المحتملة، فالتحليلات توصل إلى بعض السيناريوهات التي قد يتجه إليها مصير الحرب، مع ملاحظة أن الواقع قد يجمع بين أكثر من سيناريو أو ينتج عنه متغيّرات غير متوقّعة، وأول سيناريو يمكن التنبؤ به هو تسوية طويلة الأمد مع تهدئة، يحدث فيه أن يصل كيان الاحتلال وحركة حماس إلى اتفاق يشمل انسحاباً جزئياً / محددًا، وإعادة الرهائن، ودخول مساعدات، وربما إدارة دولية أو فلسطينية لقطاع غزّة، وحماس تُبقي وجودها السياسي لكن تُقيَّد قدراتها العسكرية، وما ينعكس عليه من واقع أن يُتيح إعادة الإعمار، وتخفيف المعاناة الإنسانية، لكن يبقى التحدّي في التنفيذ والرقابة والتعويضات.
أما السيناريو الثاني فهو تجميد القتال ولكن بوجود حالة «انتظار»، يحدث فيه أن يتوقف القتال الكبير (أو يقلّ بدرجة كبيرة)، لكن لا يُحقّق تغيير جذري في الواقع؛ فحماس موجودة، وكيان الاحتلال لم يتحكم كلياً، والوضع الإنساني سيّء، والتهديد باستئناف الحرب قائم، وما ينعكس عليه من واقع أن يُصبح الوضع «أقل عنفاً مؤقتاً» لكن يبقى هشّ، والعودة للعنف قد تكون أسرع من بناء السلام.
والسيناريو الثالث هو قيام تصعيد جديد أو حرب مفتوحة جديدة، يحدث فيه أنه إذا فشلت التفاهمات، أو حدثت استفزازات كبيرة، قد يعود الصدام بحجم أكبر، ربما يشمل أطرافاً إقليمية، أو تغيّرات في السيطرة على غزة، وما ينعكس عليه من واقع هذا السيناريو يحمل أسوأ التبعات الإنسانية والاقتصادية، ويؤخّر أي نهوض أو إعادة إعمار.
وإذا أردنا أن نقّيم أي التحليلات السابقة أرجح، فمن مراجعة السيناريوهات الثلاثة، يبدو لنا أنّ السيناريو الأكثر احتمالاً هو تسوية مؤقتة أو “تجميد القتال”، لكن ليس تغييراً جذرياً فورياً لحكم حماس أو استعادة كاملة لسيطرة كيان الاحتلال أو إدارات مستقلة، فالتحليلات تقول إنّه من الممكن أن تبقى حركة حماس ككيان سياسي في غزة، وإن تقلّصت قدراتها العسكرية، ومن الممكن أن كيان الاحتلال سيحتفظ بحقّ استخدام القوة أو الردّ في المستقبل، لكنه قد لا يسعى لتحقيق «إزالة كاملة» لحركة حماس فوراً كهدف واقعي، ومن الممكن أن وقف إطلاق النار وحده ليس كافياً لإحداث تحول جذري؛ إذ هناك حاجة إلى بنية سياسية، إعادة بناء، وضمانات دولية.
هذا كله في مواجهة تحدّيات عي التي ستُقرّر مصير ما بعد العدوان، فالتحدي الأول هو الجانب الإنساني والبُنى التحتية، حيث أن إعادة الإعمار ستكون ضخمة، والأزمة الإنسانية عميقة، بدون معالجة ذلك، فإن التهدئة تبقى هشة، أما التحدي الثاني هو من يدير الحكم في غزّة؟ وما دور حركة حماس؟ وهل تُشارك مؤسسات فلسطينية أو دولية أو عربية؟ أما التحدي الثالث فهو الضمانات والتنفيذ، فأيّ تسوية تحتاج مراقبة دولية أو ضمانات لمنع عودة التصعيد، والتحدي الرابع يتمثل بالدور الإقليمي والدولي، فالدول المجاورة والفاعلون الدوليون (مصر، قطر، الولايات المتحدة، إيران) سيؤثرون على المسار، أما التحدي الأخير فيتمثل بالضغوط والتوقعات الشعبية؛ فداخل كيان الاحتلال وقطاع غزّة هناك غضب، توقعات بسيطة، وربما تغيّرات سياسية تؤثر على القرار.



