التعليم… بيْنَ الأمس واليوم !

المصدر : https://okathjordan.com/?p=8568
عكاظ الاخبارية :
بقلم / د. أروى الحواري
إنّ الناظر لحال التعليم اليوم وما آل إليه من تدهور؛ ما هو إلا سلسلة من التبعات المتراكمة والأخطاء المتعاقبة، التي بدت آثارها واضحة للعيان. ولو عدنا للماضي لوجدنا أنّ التعليم كان أفضل مما هو عليه الآن؛ من خلال ما أنتجته من تأثير في شخصية الطالب وتنمية فكره في كافات المجالات، فقد كانت العملية التعليمية ترتكز على ثلاثة عناصر رئيسة: هي الأسرة، والمدرسة، والدولة.
فكان للأسرة دورا كبيرا في تلقّي أبنائهم العلم من كل الجهات، يحرصون على التربية قبل التعليم للوصول بهم إلى أعلى درجات العلم، أما المدرسة؛ فهي البيت الثاني في إخلاصها وتفانيها في العمل، ومع قلة امكانياتها أنها كانت تقدم كل ما هو مفيد؛ لتنمية روح المواجهة المباشرة، أما المعلم قديماً فقد اختلف كثيراً عن الوقت الحاضر؛ فتجد فيه الشخصية التي تستحق الإحترام والتقدير، كان يترك كل مشاكله الشخصية والمادية ويتفرغ لرسالة التعليم؛ فيجتهد ويخلص في تقديم رسالته، يقف أمام جميع الطلاب يثني على المتفوق ويحث المهمل على النشاط؛ مما اكسبه كماً من الإحترام والتقدير من الطلبة والاسرة على حد سواء، أما الدولة؛ فقد كانت تمنح المعلم صلاحيات واسعة تمكنه من تحقيق هدفه وإيصال رسالته بالشكل الصحيح، فتعطي المعلم دوراً كبيراً في التدخل بالعلامات للطلبة؛ وهذا طبعاً يشعر الطالب بأن معلمه جزء من نجاحه وتفوقه، لذا لا بد من الانتباه للدرس، ولا بد من احترام المعلم وتقديره حتى تتحقق له عناصر النجاح، هذا ما كانت عليه العملية التربوية في ذاك الزمان الذي أصبح في طي النسيان.
أما في أيامنا هذه؛ فلو نظرنا الى الأسره لوجدناها أكثر حرصاً على تدليل ابنائها من حرصها على تعليمهم، فكثيراً ما ترى أولياء الأمور يهاجمون المدارس؛ لمحاسبة هذا المعلم أو ذاك بحجة أنّ ابنهم تعرض للضرب او التوبيخ، صرنا نجد طلاباً يصلون إلى الجامعة وما زالوا غير قادرين على الكتابة بأسلوب أو املاء صحيح.
أما المعلم في هذا الزمان؛ أصبح اهتمامه بمشاكله وقضاياه الشخصية والمادية يطغى على اهتمامه بإيصال رسالة التعليم؛ كما أصبح في كثير من الأحيان يخشى من توجيه أي لوم لأي طالب؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى أن يقتاده رجل الأمن من المدرسة أمام طلابه، وربما يكون للدولة دوراً في ذلك من خلال أنظمتها التي منعت الضرب التأديبي، والغت الرسوب واعتمدت النجاح التلقائي لسنوات عدة، بالإضافة إلى رواتب المعلمين وحوافزهم ليست بذاك القدر الكافي لحث المعلم وتشجيعه على الانصراف الى تأدية رسالته بعيداً عن البحث عن مورد رزق آخر.
كل هذا أدّى إلى إضعاف دور المعلم في السيطرة على الطالب، وبالتالي إخراج جيل غير قادر على مواصلة الطريق، ناهيك عن مساهمات الحكومة في تراجع العملية التربوية؛ من خلال كثرة الدمج والفصل بين وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي؛ مما يربك العمل في مدخلات ومخرجات العملية التعليمية، بالإضافة إلى التغيير المستمر وغير المدروس في القيادات التربوية؛ وهذا يؤثر سلباً في عملية التعليم على اعتبار أن كل قيادي سينفذ برنامجاً جديداً وخططاً يظن أنها المنقذ؛ ما أن يصل إلى منتصف الطريق حتى يحدث التغيير، فيبدأ التخبط.
هذا هو تعليمنا بين الأمس واليوم، أما المطلوب منّا فهو تشكيل لجنة وطنية من الحكومة ومن كافة أطياف المجتمع الأردني بكافة مكوناته؛ لوضع خطط طويلة الأمد للنهوض بالعملية التربوية والتعليمية؛ حتى نستطيع إنتاج مجتمع يتمتع ابناؤه بدرجة عالية من العلم والثقافة والمعرفة.



