الأقلام؛ أمانة علمية، فكرٌ… وأخلاق..!

المصدر : https://okathjordan.com/?p=7823
عكاظ الاخبارية :
بقلم / د. أروى الحواري
حينما نحمل القلم ونكتب من خلاله ونرسم ونقرأ ونخطط؛ فنحن بذلك نخطُّ فيه رسائل علمية وأدبية وأخلاقية، نبثّها عبر الأوراق لملايين القرّاء، فيحمل القلم على عاتقه أمانة كبيرة؛ ألا وهي: الفكر والأخلاق.
و لو حاولنا في عُجالة سريعة منّا معرفة ماهيّة هذه الأقلام لتعددت وتنوعت، وفي الخلاصة جميعها تؤدّي رسالة قد تكون واضحة للعلن، وقد تكون خفية، ولكنها بالنهاية منارة الأمم، وسلاحها الحاد، وصمّام الأمان، وعنوان الوحدة، ومكانة القلم العظيمة فقد أقسم الله به فقال تعالى: ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ [القلم: 1، 2]، تشريفًا لحامله، وإلزامًا بحفظ أمانته، وتكليفًا بالصدق في تبليغ رسالته، و تحقيقًا لسلطان الحق والعدل، وتمكينًا لشريعة الله في الأرض.
ولكن ما هي أنواع الأقلام؟ نراها كثيرة، فمنها: الصادق، والكاذب والمأجور،… ومنها ما يخاطب الروح والوجدان.
فالأقلام الصادقة ذات رسالة نبيلة وقيمة فاضلة، تخلّد وراءها تاريخًا عتيدًا، وتحمل في مجملها معاني جميلة وأسلوبًا فذًا يلامس القلوب قبل العقول.
ولا تكون الأقلام صادقة إلا إذا أخلصت في أداء الحق والواجب المنوط إليها، ويتحقق ذلك إذا تحرَّى الكاتب الصدق في كتاباته، والأمانة في نشر أفكاره على أساس علني متين وقواعد بيّنة، وتلك الأقلام لا بد لها أن تجاهد في الله حق الجهاد لتبليغ أفكارها العظيمة، بكل صدق وإخلاص وثبات.
أما الأقلام الكاذبة؛ والتي ظاهرها جميل وباطنها سيء دفين، تبثّ سمومها بهدوء وتروّي، ولا تعلن ذلك مُجاهرة، تزيّف الحقائق وتعيد بناء التاريخ حسب حاجات كتّابها والمستفيدين منها، تلك الأقلام شريرة بائسة عليها غضب من الله، فهي تلوّث العقول بأفكار لا صحة لها، وتنشر معلوماتًا مخطط لها، فأثارها مُدمّرة وتبني جيلًا لا يعي من الحق شيئا وغير مسؤول، وعادة ما تكون تلك الأقلام مُضللة باغية، هدفها الشهرة والوصول لمآرب خاصة.
أمّا الأقلام المأجورة؛ فتلك هي الأسوأ على الإطلاق، فأصحابها يكتبون لصالح أناس آخرون، لذا تراهم يكتبون لإرضاء غيرهم لا من أجل الكتابة أصلاً، يغيّرون في الحقائق والمشاهد حسب الحاجة، ويقبضون الثمن في نهاية المطاف، وكأنها تجارة ربحية بالنسبة إليهم، متناسين بذلك دور القلم وصناعته ورسالته المجيدة، هم بذلك لا يؤدّون رسالة علمية، فهدفهم غير سامي ولا نبل فيه، أولئك يستحقون المزيد من الغضب، فهم يصنعون ويلات كبرى بحق جيل كامل، ربما لا يعلمون ذلك وربما يعلمون، ففي نهاية المطاف تهمهم مصالحهم فقط.
فالقلم أمانة في عنق صاحبه، إن استعمله جيدا كان عونًا له على الباطل، وإن أساء استخدامه حارب فيه الحق وساعد على طمس هويته، فالقلم علم بين الصدور، ولهذا حينما سأل رجل المهلب بن أبي صفرة: (كيف نجحت وبلغت ما بلغت من مركز رفيع؟ رد عليه بهذا الجواب البليغ الحكيم: إنما أدركت ذلك بالعلم وحده، فقال الرجل: ولكن غيرك لم يصل إلى ما وصلت إليه وقد تعلم أكثر مما تعلمت؟ فقال المهلب: ذلك لأنني استعملت علمي ولم أحمله، بينما حمله غيري ولم يستعمله)، اللهم أعنّا على حمل أقلامنا واجعلها لنا لا علينآ.



