umniah

موقف مرعب … نبيل حسن الرواشده/ ابوغيث

جمال14 نوفمبر 2019
موقف مرعب … نبيل حسن الرواشده/ ابوغيث
رابط مختصر


عكاظ الاخبارية :

بقلم/  نبيل حسن الرواشده/ ابوغيث

موقف مرعب ذلك حينما اتخيل جسدي اشبه ما يكون كخشبة مسجاة على لوح معدني … لم استحق في ذلك الحين ان توضع لي فرشة كتلك التي كانوا في حياتي يتسابقون على اجلاسي عليها … اتخيل نفسي على نقالة معدنية او خشبية … محمولاً على الاكتاف … انظر الى من حولي وانا مقيد الحركات لا اقوى على النفس … انظر الى جسدي المتيبس و ما حل به لقد اصبح ازرقاً كريهاً … و اتسائل كيف للديدان ان تشتهي وليمة مقززة كهذه …؟! انظر الى تلك الحفرة الضيقة التي ستؤويني، فراشي ترابها و لحافي الواح اسمنتية تكاد تلامس وجهي وعن يميني و شمالي قطع اسمنتيه او حائط ترابي و كأنه وجد ليضيق علي الخناق…

ارى نفسي و المغسل ينادي (احضروا الجثه) و قد أسقط عني اسمي الذي أُحب … فاصبحت اليوم “جثة” … اصبح يقلب جسدي يمينا و شمالاً بعد ان مزق عني ملابسي … و انا الذي في حياتي كنت اخجل من نفسي … لكنهم اليوم يقلبونني كيفما يشاءون … اقترب مني اخي … حدثني بحديث لم اسمعه منه من قبل … احاول اجابته لكنه لا يسمعني … احاول رفع راسي و مد يدي لأضمه الى صدري … لكن هذا الجسد المتيبس ما عاد يقوى … حاولت اختي ان تراني لكن من فزعها لم تستطع الاقتراب …

نقلوني الى المسجد لا لأصلي كما اعتدت … و لكن دخولي اليوم يختلف عما سبقه … دخلته محمولا على الاكتاف … ممدداً لا اقوى على الحركة … ما عاد لي مكان في الصف بين المصلين … تركوني خلفهم و توجهوا الى اداء فرض ربهم و كأنهم يقولون انتهى دورك إبقَ في الخلف …

اكملوا صلاتهم ليقدمونني … و تبدأ الصلاة التي كنت اظن انها بعيده فلازلت شاباً … ثم نقلوني الى حيث سأدفن … انزلوني الى قبري … اصواتهم بدأت ترتفع … فكوا عنه الرباط … ضعوه على اليمين … هاتوا الشبايح … اغلقوا تلك الفتحه … احضروا الطين … و كأنهم استكثروا علي ان يبقى لي متنفس او ثقب يصل الى منه الضوء … سدوا كل الفتحات … و ما عدت ارى شيء … و لا يُرى مني شيء …

أتخيل ) اخي يرمي بنفسه داخل الحفرة !! معانقا جثتي و لا اعلم هل هو ندم ام حسرة او الماً لفقد عزيز..!! الناس يمسكون به ساعين الى اخراجه … راجين منه ضبط النفس .. ؟!! ( أتسائل و كلي حيرة من أمري ماذا يصنع بنفسه..؟! ما هذا الذي كنت اريده منك اخي … لن تنفعني دموعك الان و لا ينفعك الندم … ما كنت انتظر بكائك على شفير قبري … و لكن قربك مني قبل فوات الاوان غاية ما اتمنى…

ابنتي صغيرتي … سوف تبكي علي دموعاً مريرة صادقة لا يشبه صدق دموعها احد … سأحاول الاقتراب منها كي اخفف عنها كما كنت في حياتي و لكن !! هيهات هيهات لقد تيبست الاطراف و ثقل الجسم عن الحركة … فعبثا احاول !!انا مرتاح جداً الان في حياتي الجديدة.. لا اشكو من شيء.. انادي لا تبكين بنيتي … فانا سعيد (ان شاء الله) لانني لم اظلم احد، و لم آكل لحم، احد او مال احد … أما علاقتي بربي فارجو رحمته فهي ملاذي الوحيد… ( ما كانت صغيرتي تَسمع … كيف اسكتها ؟ رب اسألك ان ترحم قلبها الصغير).. اكرر القول … لا فائده !! أراهم يهيلون التراب على جسدي … اتخيل نفسي مبتهجا أُصفِق..احثهم على الاسراع … احاول مساعدتهم كالذي يستعجل طم عاره … آآآآآه.. ما اجمل الخلاص من هذه الدنيا التي اثقلت حملها علينا ( اطمروا هاذ الجسد سريعا ) فلا اعتقد انه عاد ذو قيمة عند احد …

ستجلسون على قبري … تذرفون الدموع … قلت لكم لا اريد تلك الدموع … سترشون الماء على قبري بعد ان ملأتم حفرتي بالتراب … اتعتقدون ان جسمي سيخضرّ و يورق بهذا الصنيع؟ اعلم انها سنة الحبيب ولا اعتراض، ولكن ما الفائدة … كنت بحاجة الى اكثر من ذلك في حياتي بينكم ولكن ربما غرتكم الحياة الدنيا … او اخذتكم العزة بالاثم.

لو لم اكن متأكداً من طيبة سرائر البعض لقلت انكم منافقون و بجداره … زوجتي تنحب … وقد اظلمت الدنيا بوجهها … ستشعر بغربة موحشه … ستتذكر الاولاد و عبء مطالبهم و احتياجاتهم كيف لها ان تقوم بهذا الحمل لوحدها بعدي … و تناست تلك المسكينة ان الله يتولى الصابرين … ابني يولول و يسأل عن مصيره بعد رحيل والده … مصدر الامان له بعد الله … فسنوات عمره القليلة لم تشفع له ان يدرك ان فوقه رب رحيم … صديقي الذي كنت اعرفه فهو الأكثر إدراكاً و وعياً، قد فاجأني حقاً … كان مثلهم يبكي …!! تبكي على موتي صديقي !!!؟ كيف وقد تمنيناه مرارا..؟
انني مرتاح الآن و انا بين يدي ارحم الراحمين … فلاجوع هنا و لا عطش … لا يظلمني احد … لا أرى احد … لا ذاك الذي سلبني راحتي يوما، و لا ذاك الذي خيب ظني … ولا ذاك الذي اطلق للسانه العنان وهو يتكلم بظهري بما ليس في … و لا تلك التي اوجعت قلبي … تخلصت من الجميع و ذهبت الى من احبني بصدق.

صدقوني.. ما جدوى وجودي حيا بينكم و نحن في شكوى لا تنتهي؟ فالموت وجد ليخلصنا من مآسينا … فالديدان باتت أولى بهذا الجسد … و قد بتنا غرباء عن بعضنا البعض كما ترون … فلنرتاح اذاً الى الابد.

ثم مالنا نخشى الموت وهو نهاية لحياة النكدِ هذه التي نحيا … فخلاصا هو الموت من صراع دائم خلف رغيف الخبز … بل رغيف الذل و خلف ارضاء الناس .. (فإن انا مت من ليلتي … اسألكم بالله لا تبكون علي … فقط هنئوني على الخلاص.. وابكوا على حالكم)

ان اجمل ما في موتي انني سوف ألقى وجه ربي … وهو ارحم بي من كل البشر … ثم ما أجمل الموت الذي سيجمعني بأمي و أبي … أمي ستكون بين المواكب التي تستقبلني ان شاء الله بفرح و سرور..! فذاك ابي و جدي و عمي و صديقي الذي سبقني سيرحب بي الجميع في ليلتي الأولى بينهم … أمي ستدور حولي و عيناها تتفحصني (اخاطبها انت يا نبع الحنان هنا ..!!؟ سأرمي بنفسي اليها) … سأرتمي بحضنها … حضنها الذي حرمت منه منذ كنت طفلا صغيراً … حضنها الذي ليس مثله إثنين … و لا يعوض لو بالملايين.

وبينما كان التعارف قائماً بين الاحبة الجدد في جنة ربي ـــ وهذا ظني به جل في علاه فهو الرحمن الرحيم ــــــ … كانت قافلة الاحبة الأحياء تسير في الاسفل، خارجة من المقبرة … تاركةً أكاليل الزهور على قبري المبلل … ابنتي تلتفت صوب المقبرة، تمسح الدموع و تتنهد بانكسار … ابني يمشي هو الاخر منكسر الجناح … ينتحب ومن حوله يهونون عليه مصابه الأليم … اخي يجري مهرولاً ليلحق بصف ابناء عمومتي ليتقبل العزاء من الحاضرين … رافعاً صوته (امانة يا رجال على بيت العزاء للغداء).

هناك … في ليالي العزاء الثلاث … سيكثر المادحون … حتى اؤلئك الذين كانت قلوبهم تشتعل ناراً من رؤيتي سيتظاهرون بالحزن و سيتغنون بسيرتي العطره … بل ان بعضاً ممن احبني … سوف ينشغل بسيجارته … او بفرحة لرؤية صديقه الذي لم يره من قبل … فكان عزائي وكأنه فرصة للقاء الاحبة او لقضاء بعض الاوقات … ولكن ان عزائي بنفسي حينها انني تخلصت من كل هذه الدنيا و رحلت … و ما عاد يهمني شيء … و ما عاد يهمني ماذا يفعلون من بعدي.

اخي سيعود الى بيته و ينسى … اخواتي سترحل كل واحدة منهن الى بيتها و زوجها … ابنائي ستسير القافلة بهم بحلوها و مرها … سيتجرعون الالم و يتذوقون الحرمان و لكن سرعان ما يلتحقون بركب البقيه فهذه سنة الحياة و سنة الله في خلقه فكما يقولون انها (نعمة النسيان).

رب … انني أُحِسنُ الظن بك … فلا تُخيب رجائي يا الله … جنتك و رضوانك هي غاية ما اتمنى … و يا ويل قلبي ان كنت مطروداً من رحمتك بسوء صنيعي.

12931198_932177046899758_8461912268428209206_n.jpg