النجيب لا يُنجب… وإذا أنجب فاق أباه

المصدر : https://okathjordan.com/?p=168652
عكاظ الاخبارية
محمد إحدوش
لطالما ساد في الوعي الجمعي اعتقادٌ يقضي بأنّ النجابة تُورَّث كما تُورَّث الأملاك، فيُقاس الولد بأبيه قياساً آلياً فيُحكم له بالعظمة إن كان الأب عظيماً، وبالخمول إن كان متواضعاً، قبل أن يختبره الميدان ويُظهره العمل.
غير أنّ سنن الاجتماع الإنساني وتجارب التاريخ تردّ هذا التبسيط، وتؤكد أنّ النجابة ليست ميراثاً يُقسّم، وإنما هي سعيٌ يُكتسب، ومجاهدةٌ تُثمر، وبذرةٌ تحتاج إلى تربةٍ صالحةٍ ورعايةٍ متواصلة.
إنّ النجابة الحقة همٌّ لا يهدأ ومسؤوليةٌ لا تقبل القسمة. فالرجل النجيب يقضي زهرة عمره في بناء ذاته وخدمة مجتمعه، ويحمل على عاتقه قضايا تتجاوز حدود أسرته الضيقة.
وحين يأتي وقت تكوين الأسرة يجد نفسه بين خيارين، إمّا أن يوزّع وقته بين المجد الخاص والمجد العام فيُقصّر في كليهما، وإمّا أن يختار أن يكون وقفه للعامة.
وهذا الاختيار ليس عجزاً ولا تقصيراً، بل هو إيثارٌ واعٍ لمنطق الأولويات. ويشهد التاريخ بأمثلةٍ كثيرة لعلماءٍ وقادةٍ أفنوا أعمارهم في طلب العلم وحراسة الثغور، فلم يتركوا ذريةً من صلبهم، لكنهم تركوا أمةً بأسرها أبناءً لهم.
فإنجابهم كان إنجاباً للمعنى والفكرة، لا للنسب والدم. وإذا تهيأت الظروف وأنجب النجيب، فإنّ أثره لا يتوقف عنده، بل يتضاعف في نسله.
فالابن ينشأ في بيئةٍ تربويةٍ قائمةٍ على القدوة والمحاسبة الذاتية، ويتعلّم من أبيه رؤيةً نقديةً للأمور وهمّةً لا تقنع بالدون.
ولا يورّثه الأب مالاً بقدر ما يورّثه سؤالاً منهجياً يقول: لماذا؟ ولا يعلّمه الاكتفاء، بل يدفعه إلى طلب الأكمل. من هنا يجيء التفوق، إذ يبدأ الابن من حيث انتهى أبوه، ويختصر بسنواتِ الخبرة المتراكمة طريقاً كان يحتاج عقوداً لولا ذلك.
ولذلك جاء المثل: ربّ ولدٍ فاق أباه، لا على سبيل المصادفة، بل كنتيجةٍ طبيعيةٍ لتربيةٍ قوامها البناء والمساءلة، ولبيتٍ تحول إلى مدرسةٍ قبل أن يكون مأوى.
وتخلص هذه القراءة إلى أنّ النجابة لا تُشترى ولا تُهدى، وإنما تُنتزع انتزاعاً بالجد والاجتهاد والصدق مع الذات.
وقد ينجب النجيب وقد لا ينجب، لكنّ الأثر يبقى واحداً، فإن لم يكن الولد من صلبه فسيكون من فكره، ومن تلامذته، ومن أمةٍ تحفظ اسمه في سجلّها الحضاري.
وعليه فإنّ الدعوة ليست إلى إلغاء قيمة النسب، بل إلى إعادة ضبطها في ميزان الكفاءة والعمل.
فلا ينبغي الاغترار باسمٍ مجرّدٍ من الإنجاز، ولا اليأس من غياب سندٍ عائلي. المطلوب أن يُصنع الإنسان نفسه، وأن يكون إنجابه، إن وُجد، مشروعاً حضارياً لا مجرد تكاثرٍ بيولوجي.
وحينها يتحقق المعنى الكامل للقول: النجيب لا يُنجب… وإذا أنجب فاق أباه.



