umniah

حين تُصبح الوطنية شعارًا أجوف

جمال12 مايو 2025
حين تُصبح الوطنية شعارًا أجوف
رابط مختصر
حين تُصبح الوطنية شعارًا أجوف

عكاظ الاخبارية

ا.د أحمد منصور الخصاونة
ما أبشع أن تتحوّل الوطنية إلى شعارٍ أجوف، يهتف به من لا يؤمن به، ويتغنى به من يتخذه مطيّةً لمكاسب ضيقة، لا تمتّ إلى مصلحة الوطن بصلة. وما أقسى أن يُصبح حبّ الوطن سلعةً تُعرض في سوق الشعارات، يزايد بها من لا يخجل من التنكر لقيمه ومبادئه.
كم تُسيء تلك العبارات المتعجرفة التي يرددها بعض من يدّعون المعارضة، كلما خالفهم أحدٌ في الرأي أو اجتهد في غير ما يشتهون: ‘اتركوا لنا الوطن وخذوا المناصب’، و’عند الله تلتقي الخصوم’، أو حين يُسفّهون المواقف الوطنية بكلمة ‘سحيج’، كلما عبّر أحدهم عن اعتزازه بجيشه، أو شكره لمخابرات بلاده، أو رفع معنويات مؤسسات الدولة بكلمة طيبة وثناء مستحق. وكأنهم أوصياء على الوطن، يحتكرون الحقيقة، ويوزعون صكوك الانتماء حسب مزاجهم السياسي، ويصنّفون الناس بين وطني وخائن، بين حرّ وعبد، بحسب معيارهم المختلّ.
فمثل هذه العبارات، التي يتوهم قائلها أنها برهان شجاعة وفكر، لا تحمل من الوطنية إلا ادّعاءها، ومن القوة إلا فجاجتها، ومن المعنى إلا خواءه. إنها تفضح قصر النظر، وتكشف عن نزعة إقصائية خطيرة، تُفسد النسيج الوطني أكثر مما تخدمه. فليس من الوطنية أن تُخوّن المختلف، ولا من الوعي أن تسخر من الولاء، ولا من الحرية أن تكمم الأفواه باسم المعارضة!إن العاجز عن خوض حوار راقٍ ومسؤول لا يملك سوى أن يختبئ خلف شعارات صاخبة وهتافات جوفاء، يظنّ أن ارتفاع الصوت يغني عن منطق الحجة، وأن الإساءة إلى الآخرين تعوّض عن قِصر النظر وضحالة الفكرة.
الوطن ليس ملعبًا للهتاف، ولا منصّة للمزايدة، بل ميدانٌ للعمل الجاد والمواقف النزيهة. من أحبّ الوطن حقًا، لا يُكثر من الترداد بل يُجيد الإنجاز، لا يتوسل السلطة بل يحمل المسؤولية، ويضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار حزبي أو شخصي أو فئوي.
إن الاختلاف في الرأي لا يجوز أن يتحوّل إلى تخوين، ولا النقد أن يُفسَّر على أنه عداء، ولا المواقف أن تُختصر في معادلات سطحية: موالٍ أو خائن. فالوطن لا يبنيه إلا العقلاء، ولا يحميه إلا الحكماء، ولا يزدهر إلا في بيئة تحترم التنوع، وتصون التعدد، وتؤمن بأن الحوار أساس التقدم، وأن الاستبعاد والإقصاء هما أول أبواب التراجع والانحدار.
وللأسف، بات بعض المتنطعين للعمل العام او ممن يظنون انفسهم نشطاء في العمل المجتمعي ، يختزلون الوطنية في صراخهم، ويجعلون منها لافتةً يخفون خلفها طموحات شخصية لا علاقة لها بمصلحة الوطن. تراهم يخوضون معاركهم الوهمية في الميادين الخطأ، يتاجرون بالشعارات، ويتنقلون بين المواقع بحثًا عن النفوذ، متناسين أن الوطن ليس سلعة ولا منصة صعود.
إنّ حبّ الوطن لا يُقاس بعدد التغريدات ولا بحجم التصريحات، بل يُقاس بصدق النية، ونظافة اليد، وشرف الموقف، وإخلاص الفعل. وليس كل من رفع شعار الوطن وادّعى الدفاع عنه، صادقًا في دعواه. فكم من المتشدقين باسم الوطن خذلوه عند أول اختبار!
ومن المحزن أن تُخطئ الدولة أحيانًا حين تسترضي من لا يستحق، وتُجمّل مشهدها السياسي بأسماء لا تليق بمقام المسؤولية، فتوزّع المناصب على من لم يثبتوا كفاءةً ولا قدموا للوطن إلا صخبًا، وكأن الوطنية تُشترى بالترضيات وتُباع بالصمت.
إن المناصب العامة ليست جوائز ترضية، ولا وسيلة لإسكات الأصوات، بل هي أمانات ومسؤوليات، لا ينبغي أن يتولاها إلا الأجدر والأكفأ، لا من يرفع الصوت أكثر، بل من يعمل أكثر ويخلص أكثر ويضحي أكثر.
وأشدّ ما يوجع، أن البعض لم يعد يرى في الأردن وطنًا يُبنى ويُصان، بل محطةً تُستغل، ومسرحًا للمكاسب العابرة قبل الرحيل. هؤلاء لا ينتمون إلى الوطن بقدر ما ينتمون إلى أطماعهم، ولا يرون في الأردن إلا ما يحقّق لهم طموحاتهم الضيقة، فإذا ما تغيّرت الظروف، غيّروا ولاءهم وخطابهم وانتماءهم.
ولهذا، فإنّ العدالة الحقيقية تقتضي أن يُطبّق القانون على الجميع، بلا تمييز ولا محاباة: من يُعارض بوطنية مسؤولة فله المكان والاحترام، ومن يُخلّ بالأمن أو يسعى لتقويض الاستقرار، فليس له إلا حزم الدولة وسيف القانون.
فهيبة الدولة لا تُبنى بالمجاملات، والعدل قوام الملك، والوطنية لا تصان إلا بالعدالة التي تظلل الجميع.
ولنعلم جميعًا أن مكافحة الفساد لا تقلّ أهمية عن مواجهة من يهدد أمن الوطن، بل قد تكون أكثر إلحاحًا في بعض الأحوال، لأن الفاسدين يضربون الوطن من داخله، فيغتالون ثقة الناس، ويقوّضون دعائم الدولة، ويُهدرون مقدّرات الأمة باسم الولاء وهم أبعد ما يكونون عنه. الفاسد ليس مجرد عثرة في طريق الإصلاح، بل هو خنجرٌ مسموم في خاصرة الوطن، ينخر جسده بصمت، ويفتح ثغرات للمتربصين من الخارج. إنهم شركاء المتآمرين وإن لبسوا ثياب الموالاة، وأعوان المخرّبين وإن تزيّنوا بعبارات الوطنية. فلا بناء يُرجى في ظل فساد مستشرٍ، ولا استقرار دائم في وطنٍ تُنهبه أيادي الداخل قبل أن تتهدده مخاطر الخارج.
لهذا، فإن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون موسمية ولا انتقائية، بل منهجًا دائمًا، وسيفًا مُسلطًا على رقاب العابثين، أيًّا كانت أسماؤهم أو مواقعهم. فالعدالة لا تُقيم دولةً ما لم تطل الجميع بعدلها، ولا تحفظ هيبةً ما لم تُحاسب كبار الفاسدين قبل صغارهم.في المحصلة، الوطنية الصادقة لا تُرفع شعارًا بل تُترجم فعلًا، ولا تُنال بالتصريحات بل تُثبت بالتضحيات.
ومن أراد أن يخدم الوطن، فليأتِ إلى الميدان، لا إلى المنابر وشاشات الفضائيات؛ وليخاطب العقول بالحكمة لا العواطف؛ وليحترم الحقيقة لا أن يدّعي احتكارها. فالوطن باقٍ، أما الطامعون فإلى زوال، وسيسقط كل من يحاول أن يحوّل حبّ الوطن إلى سلعة يتاجر بها، أو إلى لافتة يرفعها حين يشاء ويطويها حين يشاء.
فليُرفع القانون، ولتسُد العدالة، ولتخرس كل الشعارات الكاذبة، حتى لا تبقى الوطنية شعارًا أجوف، يرفعه الجميع ويخونه أكثرهم!

IMG 20250511 WA0033 - وكالة عكاظ الاخبارية