الفجوة بين المشاريع الممولة واحتياجات المجتمع: قراءة واقعية

المصدر : https://okathjordan.com/?p=163905
عكاظ الاخبارية
عطا الحاج ..
عمان – في السنوات الأخيرة، شهدنا تزايدًا ملحوظًا في عدد المشاريع الممولة من الجهات المانحة، والتي تُنفذ من خلال الجمعيات والمؤسسات المحلية، تحت عناوين التنمية، التمكين، والاستجابة للاحتياجات المجتمعية. ورغم الجهود الكبيرة المبذولة، إلا أن هناك فجوة واضحة بين ما يتم تقديمه من خدمات ومبادرات، وبين الاحتياجات الحقيقية للمجتمع.
تكمن المشكلة الأساسية في أن العديد من هذه المشاريع تُصمم وفقًا لأولويات الجهات المانحة، لا وفقًا لاحتياجات المجتمع الفعلية. فغالبًا ما يتم تنفيذ أنشطة وبرامج قد تبدو مهمة على الورق، لكنها لا تعكس الواقع المعيشي ولا تعالج التحديات اليومية التي يواجهها الأفراد. وهذا يؤدي إلى ضعف الأثر الحقيقي لهذه المشاريع، رغم حجم التمويل والجهد المبذول فيها.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل جانب مهم يتعلق بالعاملين في هذا القطاع. فكثير من الموظفين ومقدمي الخدمات يعملون تحت ضغط الحاجة لتأمين دخلهم وتغطية متطلبات الحياة، ما يجعلهم في كثير من الأحيان ينفذون المشاريع كما هي، دون مساحة كافية للتساؤل أو التقييم النقدي لمدى ملاءمتها للمجتمع. هذا الواقع يفرض نوعًا من الانصياع لتوجهات المانح، حتى وإن لم تكن منسجمة بشكل كامل مع السياق المحلي.
ومع مرور الوقت، تتراكم هذه الفجوة، مما يؤدي إلى تراجع ثقة المجتمع بالجمعيات المحلية والمؤسسات المنفذة. فالمستفيدون يصبحون أكثر وعيًا بأن ما يُقدم لهم لا يلبي احتياجاتهم الفعلية، بل هو جزء من منظومة تمويلية قد لا تضعهم في صلب أولوياتها.
إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب إعادة النظر في آليات تصميم وتنفيذ المشاريع، من خلال إشراك المجتمع بشكل حقيقي في تحديد أولوياته، ومنح المؤسسات المحلية مساحة أكبر لاتخاذ قرارات مبنية على الواقع، وليس فقط على متطلبات التمويل. كما يتطلب الأمر تعزيز ثقافة التقييم والنقد البناء داخل المؤسسات، لضمان أن تكون الجهود المبذولة ذات أثر مستدام وملموس.
في النهاية، يبقى الهدف الأسمى لأي مشروع تنموي هو خدمة الإنسان وتحقيق تغيير حقيقي في حياته، وليس فقط تحقيق مؤشرات رقمية أو استيفاء شروط تمويلية.



