لماذا لا تقع الحرب بين إيران وأمريكا؟ الأسواق تعرف الجواب

المصدر : https://okathjordan.com/?p=159769
عكاظ الاخبارية
بقلم: د. ايهاب هيكل
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر بين إيران والولايات المتحدة، يهيمن سؤال واحد على المشهد السياسي والإعلامي: هل نحن أمام حرب وشيكة؟
غير أن الإجابة الأكثر دقة لا تأتي من التصريحات العسكرية، بل من سلوك الأسواق العالمية.
فالنفط، والذهب والدولار باتت اليوم أدوات قراءة سياسية بقدر ما هي مؤشرات اقتصادية، وغالبًا ما تكشف ما لا تقوله البيانات الرسمية.
أول هذه المؤشرات هو النفط. فالعالم الحديث قائم على تدفق الطاقة دون انقطاع، وأي تهديد واسع لإمدادات النفط، خصوصًا في منطقة الخليج، يعني صدمة تضخمية عالمية وانهيارًا في سلاسل الإمداد. من هنا تبرز حساسية مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء أساسي من تجارة النفط العالمية.
ورغم امتلاك إيران قدرة جغرافية على تهديد الملاحة في المضيق، فإن تحويل هذا التهديد إلى واقع فعلي سيمنح الولايات المتحدة وحلفاءها شرعية دولية كاملة لتدخل عسكري مباشر، ويُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الإيراني نفسه. لذلك، يبقى المضيق ورقة ردع نفسية أكثر منه خيارًا تنفيذيًا.
المؤشر الثاني هو الذهب. تاريخيًا، يرتفع الذهب مع الخوف وعدم اليقين، لكنه لا يحافظ على مسار صاعد طويل إلا عندما تقتنع الأسواق بأن حربًا شاملة باتت حتمية. ما نراه اليوم هو ارتفاعات مؤقتة وسريعة يعقبها تراجع، وهو ما يدل على أن المستثمرين يسعّرون احتمال التصعيد، لا وقوع الحرب نفسها. الذهب هنا يؤدي دور جرس الإنذار، لا إعلان الكارثة.
أما الدولار، فيعكس بدوره طبيعة الأزمة. فعند كل توتر جيوسياسي، يستفيد الدولار من موقعه كعملة تسوية عالمية وملاذ نقدي، فيرتفع مؤقتًا. لكن هذا الارتفاع يظل محدودًا طالما بقي الصراع ضمن إطار التهديد المتبادل. فحرب طويلة أو شاملة في الخليج سترفع أسعار الطاقة بشكل حاد، وتنعكس تضخمًا وضغطًا اقتصاديًا داخل الولايات المتحدة نفسها، ما يحوّل قوة الدولار إلى عبء.
الأسواق العالمية بدورها تقدّم الدليل الأوضح. ففي كل تصعيد نشهد هبوطًا سريعًا في مؤشرات الأسهم، يعقبه ارتداد واستقرار نسبي. هذا النمط المتكرر يعكس قناعة المستثمرين بأن الصراع مُدار وأن الخطوط الحمراء – وفي مقدمتها النفط – لن تُكسر. فالسوق لا يخشى الحرب بقدر ما يخشى الغموض، وحين يتضح أن السيناريو مضبوط السقف، تعود الشهية للمخاطرة تدريجيًا.
الخلاصة أن الصراع بين إيران وأمريكا ليس صراع حسم عسكري، بل صراع إدارة حدود. كلا الطرفين يملك القدرة على الإيذاء، لكن كلفة الانفجار الشامل أعلى بكثير من أي مكسب محتمل. لذلك تُستخدم أدوات بديلة: عقوبات، ضغوط اقتصادية، رسائل عسكرية محسوبة، وحروب بالوكالة، بدل اللجوء إلى الصدمة المباشرة.
في عالم شديد الترابط اقتصاديًا، لم تعد الحروب تُقاس بعدد الصواريخ، بل بحجم الاضطراب الذي تُحدثه في الأسواق. وحتى الآن، تقول هذه الأسواق بوضوح:
لا حرب شاملة في الأفق، بل توتر طويل النفس، تُدار نيرانه بعناية حتى لا تخرج عن السيطرة.
في زمن العولمة، من يشعل النار يخسر الجميع…
ومن يعرف كيف يُبقيها تحت السيطرة، يربح الوقت والنفوذ.



