المدني لا يقرب المدني… يرجع ورا

المصدر : https://okathjordan.com/?p=155069
عكاظ الاخبارية
إعداد: عبد اللطيف الجمل
في مشهد المداهمة الأخيرة، حين ارتفع صوت العسكري قائلاً: “المدني لا يقرب المدني… يرجع ورا” لم يكن ذلك مجرد توجيه تكتيكي في لحظة اشتباك، بل كان إعلانًا واضحًا عن عقيدة قتالية راسخة في المؤسسة العسكرية الأردنية: عقيدة الشرف، وحماية الإنسان، وفداء الأرض دون المساس بكرامة المدني أو أمنه.
هذه ليست كلمات تُقال… بل هي مدرسة كاملة تُدرّس.
فالجندي الذي يقف على خط النار ليس مجرد رجل يحمل سلاحًا؛ إنه ابن هذا المجتمع، يحمل همّه ويحميه، ويعرف أن شرعية أي عملية أمنية أو ميدانية تُقاس أولًا بسلامة المدنيين قبل أي إنجاز آخر. حماية أرواح وأعراض وممتلكات الناس ليست خيارًا، بل معيارًا للنجاح والشرعية المحلية والدولية. وكل إستراتيجية تتجاهل هذا المبدأ إنما تصنع فراغًا أخلاقيًا وسياسيًا يغذي الإرهاب بدل اجتثاثه.
لقد أثبت الأردني المدرب في المؤسسة العسكرية أنه مقاتل ذو عقيدة، لا ينحرف عن بوصلته، ولا يتنازل عن قيمه حتى في أحلك الظروف. وهذا هو الفداء الحقيقي: أن تنتصر على العدو دون أن تخسر روحك أو مبادئك.
ومن هنا تأتي أهمية خدمة العلم والتدريب العسكري للشباب. ليست مجرد دورة ولا التزامًا شكليًا، بل هي مدرسة وطنية تُصقل الشخصية وتُنشئ الانضباط وتحمل المسؤولية. الخدمة تُعلّم الشاب أن القوة ليست في السلاح، بل في ضبطه. وأن الشجاعة ليست في الاندفاع، بل في حماية المجتمع الذي تنتمي إليه. وأن الأردني الحقيقي لا يُختبر فقط في معركة، بل في قدرته على أن يكون قدوة حسنة، صلبًا في الحق، متزنًا في الفعل، مؤمنًا بأن أمن المجتمع يبدأ من وعي أفراده.
الشاب الذي يمر بتجربة التدريب العسكري يعود إلى حياته المدنية بشخصية أقوى، وقدرة أعلى على التحمل، وانتماء أعمق للدولة. يعود وقد فهم معنى “العقيدة القتالية” التي جعلت الجندي الأردني يقول في الميدان: “احنا كفيناكهم… إلنا عزم وقوة”، وهي ليست جملة حماسة، بل تعبير عن ثقة مؤسسة كاملة بنفسها وبأبناء شعبها.
الأردن اليوم يقف على خط مواجهة مع تهديدات متغيرة، والجبهة الداخلية هي سلاحه الأول. والقدوة الحسنة—من الضابط إلى المجند إلى الشاب الذي يخدم علمه ووطنه—هي أساس الثقة التي تحمي الدولة وتحصّن المجتمع.
وفي النهاية، تبقى القاعدة الذهبية التي تُلخّص شرف المهنة الأمنية والعسكرية:
المدني لا يقرب المدني… يرجع ورا
ليس لأنها قاعدة اشتباك فقط، بل لأنها روح وطن يعرف حدوده الأخلاقية قبل حدوده الجغرافية.



