التنمية المستدامة وحقوق الإنسان

المصدر : https://okathjordan.com/?p=153500
عكاظ الاخبارية
محمد نور الدباس
علاقة التنمية المستدامة بحقوق الإنسان علاقة وثيقة ومتكاملة، إذ لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون احترام حقوق الإنسان، كما أن حماية الحقوق تُمكّن الأفراد من المشاركة الفاعلة في التنمية. ولتوضيح هذه العلاقة يجب عينا التطرق إلى عدة جوانب؛ الجانب الأول وهو من حيث المفهوم؛ فالتنمية المستدامة تهدف إلى تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها، وتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وحقوق الإنسان تقوم على ضمان الكرامة، والمساواة، والحرية، والعدالة لكل إنسان دون تمييز، وبالنتيجة فكلا المفهومين يسعيان إلى تحسين حياة الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية.
فتشكل التنمية المستدامة وحقوق الإنسان محورين أساسيين في سعي المجتمعات نحو مستقبل أفضل، إذ يجتمع الهدفان حول فكرة واحدة وهي تحسين حياة الإنسان وضمان كرامته وعدالته عبر الأجيال. فالتنمية المستدامة لا تُقاس فقط بالنمو الاقتصادي أو بالمشروعات الكبرى، بل بمدى احترامها لحقوق الإنسان وتمكين الأفراد من الاستفادة منها بشكل عادل وشامل.
والجانب الثاني هو العلاقة المتبادلة، ويمكننا النظر إلى هذا الجانب من ثلاثة محاور؛ المحور الأول حول أن حقوق الإنسان أساس التنمية المستدامة، بحيث لا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة إذا كان الناس محرومين من حقوقهم الأساسية كالتعليم، والصحة، والعمل، والمشاركة في صنع القرار، ومثال ذلك الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (التعليم الجيد) هو في جوهره حق من حقوق الإنسان، والمحور الثاني يتمثل بأن التنمية المستدامة وسيلة لتعزيز حقوق الإنسان؛ وذلك من خلال مكافحة الفقر، وحماية البيئة، وضمان العدالة الاجتماعية، تتحقق ظروف معيشية تُمكّن الناس من ممارسة حقوقهم فعليًا، ومثال ذلك السياسات البيئية التي تحافظ على الموارد الطبيعية تضمن حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة، والمحور الثالث يتمحور حول العدالة والمساواة كقاسم مشترك بينهما، فكلٌ من التنمية المستدامة وحقوق الإنسان يسعيان إلى إزالة التمييز وعدم المساواة بين الجنسين، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد.
أما الجانب الثالث يتمثل في الإطار الدولي؛ فالأمم المتحدة أكدت في أجندة التنمية المستدامة لعام 2030 أن تحقيق الأهداف الـ 17 لا يمكن أن يتم إلا باحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وكذلك فإن شعار الأجندة: “عدم ترك أحد خلف الركب” يعكس المبدأ الجوهري لحقوق الإنسان في المساواة والإنصاف.
وإذا تحدثنا عن التكامل بين التنمية وحقوق الإنسان، فالتنمية المستدامة ترتبط بحقوق الإنسان بعلاقة تكاملية؛ فلا يمكن تحقيق التنمية دون أن يتمتع الأفراد بحقوقهم الأساسية مثل الحق في التعليم، والصحة، والمياه النظيفة، والعمل اللائق، وفي المقابل، فإن تعزيز التنمية المستدامة يساعد في توفير الظروف التي تسمح للناس بممارسة هذه الحقوق بصورة واقعية، وعندما تضمن الدولة فرص التعليم الجيد للجميع، فهي لا تحقق فقط هدفًا إنسانيًا، بل تسهم أيضًا في تنمية بشرية واقتصادية طويلة الأمد، وعندما تعمل على حماية البيئة، فإنها تحافظ على حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة وآمنة.
كما تقوم كل من التنمية المستدامة وحقوق الإنسان على مبدأ العدالة والمساواة. فالتنمية الحقيقية هي تلك التي تشمل الجميع ولا تترك أحدًا خلف الركب، وهو المبدأ الذي أكدته الأمم المتحدة في أجندة التنمية المستدامة لعام 2030، وبذلك تصبح مكافحة الفقر والتمييز وعدم المساواة جزءًا أساسيًا من احترام حقوق الإنسان وتحقيق أهداف التنمية.
وإذا نظرنا إلى البعد الإنساني في التنمية؛ فالإنسان هو محور التنمية المستدامة وغايتها، لذلك فإن أي مشروع تنموي لا يضع حقوق الأفراد في الاعتبار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فمثلًا، قد تضر المشاريع الاقتصادية الكبرى بالبيئة أو بالمجتمعات المحلية إذا لم تُراع حقوقهم في السكن أو في بيئة نظيفة، ولهذا أصبحت مقاربة “حقوق الإنسان في التنمية” شرطًا أساسيًا في خطط التنمية الحديثة.
ومن الأمثلة العملية على هذه العلاقة؛ فالحق في الماء ← هو الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة، والحق في الصحة ← هو الهدف الثالث، والحق في العمل اللائق ← هو الهدف الثامن، والحق في بيئة نظيفة وآمنة ← هو جزء من البعد البيئي للتنمية المستدامة، والحق في الصحة يرتبط بتحسين البنية التحتية الطبية، وهو أحد أهداف التنمية المستدامة، والحق في المياه النظيفة يرتبط بالحفاظ على الموارد الطبيعية وإدارتها المستدامة، والحق في العمل اللائق يعزز من العدالة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
وبالنتيجة فيمكننا القول إن حقوق الإنسان هي الغاية، والتنمية المستدامة هي الوسيلة، بالإضافة إلى أن كلاهما يعزز الآخر، ولا يمكن تحقيق أحدهما بمعزل عن الآخر، وإن العلاقة بين التنمية المستدامة وحقوق الإنسان علاقة تبادلية ومتكاملة، فحقوق الإنسان تشكل الإطار الأخلاقي والقانوني للتنمية، بينما تشكل التنمية المستدامة الطريق العملي لتحقيق هذه الحقوق على أرض الواقع، ويمكن القول كما أشرنا سابقاً إن التنمية المستدامة هي الوسيلة لتحقيق الكرامة الإنسانية، وحقوق الإنسان هي الغاية التي تسعى إليها التنمية.


